ما بين اقرأ واكتب... حوار على حافة ضياع الوعي

الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/20 الساعة 08:13
في إحدى أمسيات عمّان الطويلة، حيث تبدو المدينة وكأنها تُخفي تعبها خلف أضواء المقاهي وضجيج الشوارع وأحاديث الناس المتعبة، دار بيني وبين صديق قديم نقاش استمر لساعات. لم يكن حديثًا عابرًا عن السياسة أو الاقتصاد أو كرة القدم، بل سؤالًا أعمق من ذلك كله، هل المجتمع يقرأ أكثر مما يكتب؟ أو في غالبيته، لا يقرأ ولا يكتب؟ ولماذا كانت القراءة دائمًا بوابة المعرفة، بينما أصبحت الكتابة الأداة التي تحفظ الأفكار وتمنحها القدرة على البقاء والتأثير؟ وهل تحوّل مجتمعنا إلى مجتمع يستهلك الأفكار بدل أن يصنعها؟

قال صديقي بثقة، إن أول آية نزلت على النبي محمد ﷺ كانت ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، ولم تكن اكتب. وكأن الرسالة الأولى للإنسان هي أن يفهم العالم. فالقرآن بدأ بالقراءة، ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾، وقال أيضًا: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. وكأن النهضة تبدأ بالقراءة والعلم.

ابتسمت وأجبته، لكن يبدو أنك لم تُكمل سورة العلق، فآياتها تقول: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾. ثم إن هناك قسمًا ربانيًا بالقلم ﴿ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾. وكيف يمكن لحضارة أن تعيش بلا كتابة؟ أليست الكتابة ذاكرة البشرية؟

قال صديقي إن القراءة أمر إلهي مباشر، أما الكتابة فبقيت خيارًا. فأجبته، لا بل وجاءت بأمر رباني أيضًا، لحفظ الحقوق والعدالة، واستشهدت بالآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾. كما إن فكرة الكون نفسها في القرآن مرتبطة بالحفظ والتوثيق. يقول تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾، ويقول أيضًا: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ ۝ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾. وكأن الوجود كله قائم على فكرة الكتابة. وأضفت، حتى الحساب الإلهي ارتبط بالكتابة، وتلوت ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾، و﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. وكأن الكتابة جزء من نظام العدالة نفسه؛ حفظٌ للأفعال، ومنعٌ للنسيان.

ثم قلت إن الحضارات التي كتبت بقيت. فالسومريون منحوا الإنسان أول ذاكرة خارج عقله، والمصريون حاولوا هزيمة الزمن بالنقش الهيروغليفي، واليونانيون فهموا مبكرًا خطورة الكلمة المكتوبة. فسقراط لم يثق بالكتابة، وكان يرى أن المعرفة تعيش في العقل والحوار. لكن أفلاطون وثق كتابه الشهير الجمهورية، فخلّده التاريخ. ولو اكتفى البشر بالقراءة فقط، لما وصلتنا أفكار أفلاطون وزرداشت، وابن خلدون وديكارت وروسو وغيرهم.

ابتسم صديقي وقال، لو كتبوا جميعًا بحرية، لما نُفي أو سُجن أو أُعدم معظمهم. ثم استحضر مصير كل من سقراط، وجوردانو، وبرونو، وغاليليو، والحلاج، وابن رشد، ودستيوفسكي، وروسو، وباستيرناك، وتسلا، وزاخاروف، وجارا، وغيرهم. فصمت، قبل أن يقول عبارته المؤلمة "التاريخ لم يكن يخاف القارئ الصامت، بقدر خوفه من الكاتب"، وأضاف، لذلك كان لدينا حصة القراءة الصامتة في المدرسة.

أدركت، أنه قد يكون محقًا إلى حدٍّ موجع. فالقراءة قد تصنع إنسانًا مثقفًا، لكن الكتابة تصنع إنسانًا مؤثرًا. فالسلطات عبر التاريخ لم تخشَ المعرفة الصامتة بقدر خشيتها من المعرفة التي تتحول إلى نص، ثم إلى رأي عام ووعي جماعي.

لكنني ذكّرته بأن القرآن لم يدعُ إلى القراءة الحرفية فقط، بل إلى التفكير والتدبر ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ﴾ و﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾. وحتى الكون دعا القرآن إلى قراءته ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. فالقراءة هنا قراءة للإنسان والتاريخ والكون معًا.

وأضفتُ أن النبي محمد ﷺ، رغم أميّته، أدرك مبكرًا أهمية الكتابة، فأمر بكتابة سور القرآن. ولم يكن ذلك إجراءً إداريًا بسيطًا، بل تأسيسًا مبكرًا لفكرة الدولة التي تحفظ المعرفة بالتوثيق. فالإسلام الذي بدأ بـ(اقرأ) انتقل سريعًا إلى (اكتب)، فتحوّلت الرسالة إلى مشروع توثيق حضاري.

قال صديقي، لكن مجتمعاتنا توقفت عند التلاوة، فكيف نطالبها بالتأمل والتفكير؟ ثم انتقل إلى التعليم في الأردن، متسائلًا، كيف نبني جيلًا قارئًا وكاتبًا مع ثقافة النجاح الإلزامي والعبور الشكلي بين الصفوف، مهما كانت علاقته بالمعرفة وبالكتاب أو باللغة؟ وإن المشكلة الأكبر، عندما يتخرج البعض من الجامعات لا يتقنون الكتابة أصلًا. وأضاف أن كثيرًا من الخريجين يتعلمون، لكن عبر الفيديوهات القصيرة والجمل السريعة التي لا تحتاج إلى تفكير.

كانت كلماته قاسية، لكنها لامست حقيقة مؤلمة؛ فحين يضعف التعليم، وتُختزل الثقافة بالجمل القصيرة، وتصبح القراءة عبئًا ثقيلًا، وتتحول الكتابة إلى مهارة نادرة، ويرتفع صوت المؤثر أكثر من صوت المعلم والمفكر والكاتب، ندرك أننا لسنا بخير.

وهنا، تذكرت، نقاشاتنا حول الخطط الدراسية، قبل أكثر من نصف عقد، بأن المشكلة لم تعد أمية تقليدية، بل أمية جديدة ترتدي ثياب الحداثة. فالطالب الذي كان يُفترض أن يقرأ كتابًا كاملًا بات يكتفي بملخص، ثم بمقطع قصير. فأصبح لدينا جيل يعرف أسماء مشاهير المنصات أكثر مما يعرف أسماء الرموز الوطنية. نحن أمام تحوّل خطير؛ بالانتقال من مجتمع من المفترض أن يقوم على المعرفة إلى مجتمع المشاهدة.

وتذكرت مقولة ماكلوهان "الوسيلة هي الرسالة"، فالإنسان يتغير بالطريقة التي تصله بها المعرفة. فحين تصبح الشاشة أسرع من الكتاب، والصورة أقوى من الفكرة، يصبح التفكير العميق عبئًا ثقيلًا. وتذكرت مقولة نيتشه عن خطورة فقدان الإنسان لقدرته على التفكير. عندها يصبح الناس يستهلكون المعرفة كما يستهلكون الوجبات السريعة. أما الكتابة الحقيقية فأصبحت شكلًا من أشكال المقاومة الثقافية.

ثم سألني صديقي، هل لاحظت أننا نحتفل بالخطيب أكثر من الكاتب؟ فأجبته، لأن الخطابة تشعل اللحظة، أما الكتابة فتراكم الوعي. الكلمة المنطوقة تموت غالبًا بانتهاء الحشود، أما المكتوبة فتعيش ربما لقرون. ولهذا قال أورويل إن السيطرة على اللغة هي أول الطريق للسيطرة على العقول. وحين يضعف التعليم، وتُهمَّش مهارات التعبير والكتابة النقدية، يصبح المجتمع أكثر قابلية للتوجيه، وأقل قدرة على إنتاج الأسئلة.

وفي لحظة صمت قال صديقي بمرارة "إذا كانت الحكومات نفسها تلجأ إلى المؤثرين لتسويق قراراتها، ودحض الإشاعات، وللتأثير في الرأي العام، فكيف نطلب من الناس الثقة بالمثقف والكاتب أو بالمؤسسات التقليدية؟ وأضاف، أليس هذا شهادة على أن عصر السطحية، قد انتصر رسميًا على عصر الفكرة؟ ثم صمت، وكأنه يوجّه اتهامًا ثقيلًا للمؤسسات التعليمية والقيادات التربوية، التي أخفقت في تأهيل جيل كامل.

أجبته بهدوء، نحن نعيش زمنًا أصبح فيه المؤثر أسرع وصولًا من الكاتب، والفيديو القصير أكثر إغراءً من الكتاب. فنحن لا نُجهَّز جيلًا لعصر المعرفة، بل لعصر الاستهلاك. يتم إعداد أجيال لا تحتاج إلى القراءة أو الكتابة النقدية، بل يكفيها أن تتابع مؤثرًا على الهاتف، أو تحفظ جملة من فيديو قصير. فكل عصر كان يملك أدواته؛ الورق هزم الجلود، والتلفاز هزم المذياع، والإنترنت هزم المكتبات، لكن الأفكار العظيمة لم تمت، لأنها أعمق من أن يقتلها ترند عابر. المشكلة ليست في التكنولوجيا، بل في الإنسان الذي استسلم لها دون أن يحاول ترويضها. ولم يعد المطلوب إنسانًا يفكر طويلًا، بل إنسانًا يتفاعل سريعًا. ولهذا لم تعد المدرسة تُخرّج قارئًا حقيقيًا أو كاتبًا، بل مستهلكًا للمحتوى.

وهذا، يعني أن أدوات التأثير تغيّرت أسرع من قدرة المؤسسات على فهم المجتمع. وأضفت، أن المشكلة ليست في استخدام المؤثرين، بل في فقدان الخطاب الرسمي لقدرته على الإقناع. فالناس لا تهرب من الحقيقة، بل من اللغة الباردة والمكررة والأرقام المنفصلة عن واقعها اليومي.

وحين يعجز الخطاب الرسمي عن تفسير، لماذا تتعمّق أزمات التعليم وتزداد البطالة، والمديونية، عندها تجد أن المجتمع، لا يسمع لمن يقول له إن الأمور بخير بينما الواقع يزداد صعوبة، ولم يعد يقتنع بالوعود أو بالشعارات الكبيرة دون نتائج ملموسة. ولهذا حين يغيب الخطاب الصادق والعميق، يدخل المؤثر ليملأ الفراغ، فالطبيعة لا تحتمل الفراغ.

وهذا أخطر مما يبدو. لأن الدولة حين تخسر المثقف الحقيقي، وتخسر ثقة المواطن بالمعلم والخبير والأكاديمي، تصبح أكثر اعتمادًا على التأثير اللحظي، كبديل عن بناء الوعي الطويل. فالمؤثر قد ينجح في تحسين صورة قرار ليوم أو أسبوع، لكن جميعهم، لا يستطيعون أن يبنوا مشروعًا وطنيًا، أو يعالجوا أزمة تعليم، أو يخلقوا اقتصادًا منتجًا، أو يمنحوا الشباب معنى حقيقيًا للمستقبل.

ثم قلت، وأنا أنظر إلى الشارع الممتلئ بالشباب والهواتف المضيئة، الخطر الحقيقي ليس أن يقرأ الناس عبر الشاشة، بل أن يتوقفوا عن التفكير. فالحضارات لا تنهار حين تتغير الوسائل، بل حين تفقد قدرتها على إنتاج العقل النقدي.

وأضفت أن المشكلة ليست في الشباب، بل في المدرسة التي لم تعلّمهم، والجامعة التي أهملت مهارات التفكير، والنخب التي انسحبت من المجتمع، والمثقف الذي ترك الساحة فارغة ثم اشتكى من صعود بعض التفاهة.

ومع ذلك، ما زلت أؤمن أن الأفكار العميقة لا تموت. فالترند مؤقت، أما الفكرة الحقيقية فتمشي ببطء لكنها تعيش طويلًا. المجتمعات لا تنهض بالفيديو القصير، بل بالتعليم الحقيقي، والثقة، والعدالة، ووجود شخصيات تقنع الناس بصدقها وكفاءتها لا بشهرتها فقط. وحين تستعيد المؤسسات قدرتها على قول الحقيقة كما هي، بلغة يحترمها الناس، عندها لن تحتاج إلى مطاردة الترند كي تثبت وجودها.

قبل أن ينتهي الحوار، نظر صديقي إلى الشارع الممتلئ بالشباب وقال، المشكلة ليست أن أبناءنا لا يقرأون ولا يكتبون، بل أنهم قد يصلون إلى مرحلة لا يشعرون فيها أصلًا بالحاجة إلى القراءة أو الكتابة.

كانت تلك أخطر جملة سمعتها خلال سنوات. فالحضارات لا تنهار حين تتغير الوسائل، بل حين تفقد قدرتها على إنتاج العقل النقدي. والأمم لا تسقط فقط حين تجوع اقتصاديًا، بل حين تفقد قدرتها على إنتاج المعنى.

فالأردن اليوم يقف أمام مفترق ثقافي خطير؛ إما أن يتحول إلى مجتمع يستهلك الأفكار القادمة عبر الفيديوهات، والمنصات، وإما أن يستعيد قيمة الكتاب واللغة والكتابة والتفكير النقدي والإبداعي.

فالجيل الذي لا يكتب، يفقد قدرته على التفكير المركب، والجيل الذي لا يقرأ إلا عبر الترند يصبح أكثر هشاشة أمام التضليل والشعبوية والتطرف. ومع ذلك يبقى الأمل قائمًا، لأن الأردن الذي أنجب معلمين ومفكرين وشعراء كبارًا قادر على استعادة ثقافة السؤال والإبداع، وهو الأمر الذي يدعو إليه الملك.

وفي نهاية الحوار قلت لصديقي، تذكر أن أول آية كانت ﴿اقرأ﴾، لكن الحضارة الإنسانية لم تبدأ فعلًا إلا حين كتب الإنسان ما قرأه وأورثه للأجيال. فالقراءة تُنير العقل، أما الكتابة فهي التي تمنح تلك الإضاءة فرصة البقاء.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/20 الساعة 08:13