الزبيدي تكتب: إلى مَدارِ رُوحي.. وعِطرِ أيامي التي لا تغيب

عالية علي الزبيدي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/17 الساعة 10:55
إلى أبي.. الذي استوطنَ الروحَ قبلَ أن يواريهِ الثرى..

أكتبُ إليك اليوم، بشوقٍ لا يوصف، وفي صدري زحمةٌ من حنينٍ لا يهدأ، وفي عينيَّ طيفُك الذي لا يبارحُ المدى. أدركتُ يا أبي، في محنةِ غيابك، أن الأرواحَ العظيمة لا تغادر مواطنها حقّاً، بل تبقى فينا على هيئةِ أثرٍ خفيّ؛ يضيءُ إذا انطفأت المصابيح، ويؤنسُ إذا استوحشَ المكان.

ورائحتك وحنانك.. لا تقفُ بيننا التفاصيل؛ بل هي الجسرُ الذي أعبرُه إليك كلما غلبني الوجد. تلك الرائحةُ التي كانت تمنحني السكينة دون كلام، لم تكن عطراً يُشترى، بل عبقَ الأمان الذي يتسللُ إلى روحي قبل مسامعي، فأهدأُ كأن الدنيا تعتذرُ فجأةً عن قسوتها. وحنانُك.. ذلك الوشاحُ من نور، ما زال يحيطني حتى في أكثر اللحظات وحدة، كأن قلبك ما زال يعرف كيف يربّتُ عليَّ من غيبٍ بعيد.

لا تفصلنا جدرانُ الغياب، ولا طيّاتُ الثرى، لأنني أجدُك في أدقِّ تفاصيل يومي؛ في نبرةِ صوتي حين أشتدُّ فأسمع هيبتك، وفي ثباتِ قلبي حين أهتزُّ فأشعر أنك ما زلت تسنده بقوةٍ خفية لا تراها العيون. وحتى تلك النسمةُ التي تمرُّ ببارد عطرك، تبدو لي كرسالةٍ منك تخبرني أنك لست بعيداً كما يظنّ الجميع.

كلما مررتُ بمكانٍ كان يجمعنا، شعرتُ أن الجدران تتنفّسك، وأن الزوايا التي شهدت ضحكتك ما زالت تحفظ صدى صوتك كأغنيةٍ لا يبهت لحنها. المدينةُ يا أبي ليست شوارع وأبنية؛ المدينة هي تلك الطمأنينة التي كانت تسكنني وأنا أمشي إلى جانبك، وذلك الشعور العميق بأن الحياة ـ مهما قست ـ تصبح أخفَّ حين تكون قريباً.

واليوم، ما زلتُ أشمُّ “ريحتك” في ثنايا الذاكرة، في ملمسِ ثيابك التي أرفض أن يمسّها النسيان، وفي فنجانِ قهوةٍ يمرُّ عبيره فأبصرُ وجهك في بخاره، وفي دعاءٍ يخرجُ إليك من قلبي بلا استئذان. أراكَ في الأشياء التي لا ينتبه لها أحد؛ في اتساع السماءِ بعد المطر، وفي سكينةِ المساء، وفي تلك الرعشةِ الخفيفة التي تزورُ قلبي فجأةً فأعلمُ أن روحك مرّت من هنا.

يا من رحلتَ.. وما رحلت..

إنّ رائحتك تسكنُ رئتَيَّ كأنفاس الحياة، وحنانك يطوّق قلبي كفجرٍ لا يغيب، وما بيننا من تفاصيل ليس مجرد ذكرى، بل حياةٌ كاملة لا يعرف الموتُ إليها سبيلاً. أنت غائبٌ عن العين، لكنك حاضرٌ فيَّ؛ في قوتي حين أحتاج الوقوف، وفي رقّتي حين يدركني التعب، وفي يقيني بأن الفقد لا يمحو الذين سكنوا القلب بصدق.

ابنتُك التي تعيشُ بك.. ولأجلك.

أنا ابنةُ أبيها.. وما زلتُ كلما ضاقت بي الحياة، عدتُ إليك في قلبي كأنك الطمأنينة الأخيرة في هذا العالم.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/17 الساعة 10:55