بعد أن تجشأوا 'خير' الدولة.. كتّاب وإعلاميون يروجون لفكرة تثوير الشارع الأردني

مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/17 الساعة 10:24
مدار الساعة - كتب: نهار أبو الليل - حين أجلس اطالع المشهد الإعلامي الاردني، أحتارُ من جرأةِ بعضِ إعلاميين وصحفيين تجشأوا "خير" الدولة، وانغمسوا في لذاتها.

مشهد لا يعكس في مرآة تبّدل القناعات، بل نحن أمام سيولة سياسية وأخلاقية.

وفي ظني، أن من أخطر ما يواجه مجتمعاتنا في هذه اللحظة الحرجة ليس نقص المعلومة، بل هو انفصام الشخصية الإعلامية لدى نخبة ممن كان يُفترض بهم أن يكونوا حراس الوعي، فإذا بهم يتحولون إلى عبء على حركة التاريخ.

بلا مواربة إننا أمام ظاهرة تستدعي التأمل لظاهرة هؤلاء الإعلاميين والصحفيين الذين تجشأوا طويلًا من "خير" الدولة، وعاشوا عقودًا في دفق نعمائها، ثم ها هم اليوم يسقطون في اختبار المسؤولية الوطنية والمهنية، ويفشلون على جبهتين أحلاهما مرّ.

الخطيئة الأولى لهذه المجموعة تكمن في أنهم يحيكون ثيابهم التي يرتدونها من الدولة التي صاروا اليوم معارضين لها، لسبب غامض، وكأنهم في كلاليب مجهولة يهيمون، إذا اعطوا رضوا وإذا لم يعطوا إذا هم يسخطون. هم ماهرون في تحليقهم نحو أول "ممول"، يهزّهم شيئاً ما فيطيرون نحوه، حتى لا تكاد تعرف لهم دِرعاً وطنياً.

أقلامهم تحولت في مراحل الرخاء إلى منصات للمداهنة، منتقلين الى دور "الموظف البيروقراطي" الذي يبحث عن امتيازاته الشخصية تحت مظلة السلطة.

وعندما صارت الدولة تبحث عن عقول تبني، ورؤى تستشرف المستقبل، وسياسات تشرح للناس حقائق الأمور بالمنطق والوثيقة، لم تجد لدى هؤلاء إلا صدى الصوت الخاوي.

صار ذاك "الخير" الذي نالوه ثمنًا لعقم إعلامي أسهم في عزل نبض الشارع الحقيقي عن الدولة. لم يفعلوا شيئًا مقابل ما أخذوا، وهذه في عُرف التاريخ خيانة للأمانة.

لكن الأخطر، والأكثر إثارة للقلق هو ما حين دارت عجلة الأيام، وتغيرت الظروف، واجهت الدولة تحديات واقتصادات معقدة، فإذا ببعض هؤلاء ينقلبون فجأة، وبلا مقدمات موضوعية، ليصبحوا معارضين راديكاليين للسياسات نفسها التي كانوا، وإلى عهد قريب، يروجون لها ويهللون!

إن التحول من مقاعد "البروباغندا" إلى خنادق "المعارضة" ليس دليلًا على صحوة ضمير، بل هو، في تقديري، تعبير عن انتهازية سياسية تبحث عن موقع جديد في سوق المواقف المتغيرة.

والأدهى من ذلك، أن بعضهم لم يكتفِ بالمعارضة الصالونيّة، بل ذهب بعيدًا ليركب موجة آلام الناس، ويبدأ في ترويج فكرة تثوير الشارع الغاضب من فقره وضيق عيشه.

نعم، فقره وضيق عيشه، نتيجة أوضاع المنطقة التي ضغطت ليس على الأردن وحده، ولكن على دول المنطقة كلها، وحتى النفطية منها.

ظروفنا الاقتصادية صعبة، وفي غاية الصعوبة، ولكن اللعب بعواطف الجماهير، وتحريض الفقر ضد الدولة، من دون تقديم رؤية أو مشروع بديل، ليس عملاً ثورياً، بل هو انتحار سياسي ومقامرة بمصير الأوطان.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/17 الساعة 10:24