أبو لبن يكتب: رابطة الكتّاب الأردنيين.. معركة الثقافة والديمقراطية
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/16 الساعة 10:05
لم تكن انتخابات رابطة الكتّاب الأردنيين يومًا مجرّد صناديق تُفتح وأوراق تُحصى وأسماء تُعلَّق على لوائح الفوز والخسارة، بل كانت ــ في كل مرة ــ مرآةً دقيقةً لحيوية الثقافة الأردنية، واختبارًا صعبًا لقدرة المثقف على حماية مؤسسته من التكلّس والوصاية ومحاولات التعطيل. فالرابطة، منذ تأسيسها، لم تكن مبنى إداريًا باردًا، بل بيتًا للمعنى، ومنبرًا للحرية، وساحةً تتصارع فيها الرؤى الفكرية تحت سقف الكلمة.
ولذلك، أعادتني الانتخابات الأخيرة إلى عشر سنوات خلت، حين خضنا معركة ثقافية ونقابية لا تُنسى، يوم ترشحتُ رئيسًا لتحالف جمع "التيار الثقافي الديمقراطي" و"التيار القومي"، في مواجهة تيارات أخرى كانت ترى المشهد من زاوية مختلفة. يومها لم تكن المنافسة مجرد تنافس على المقاعد، بل كانت معركة على هوية الرابطة ودورها وموقعها في الحياة الثقافية الأردنية.
وأذكر جيدًا كيف حاول البعض آنذاك تعطيل الانتخابات، لا عبر صناديق الاقتراع، بل عبر الاتهامات والطعون ومحاولات التشكيك التي أُريد لها أن تتحول إلى عاصفة توقف المسار الديمقراطي. غير أن تلك الاتهامات سقطت أمام القضاء العادل، وبقيت الحقيقة أكثر صلابة من الضجيج، فيما انتصرت إرادة الهيئة العامة، وفازت القائمة كاملة بمقاعد الهيئة الإدارية، في مشهد أكد أن الثقافة، مهما اشتدت حولها المعارك، لا تُدار إلا بإرادة الكتّاب أنفسهم.
ما جرى قبل أسبوعين بدا وكأنه استعادة لذلك المشهد القديم، حين بدا تعطيل الانتخابات مقصودًا عبر عدم اكتمال النصاب القانوني، وكأن هناك من أراد إبقاء الرابطة معلّقة بين الفراغ والانتظار. ثم جاء يوم أمس الجمعة ليؤكد أن التعطيل لم يكن عابرًا ولا بريئًا، بل محاولة ثانية لإرباك المشهد وتأجيل الحسم. غير أن الهيئة العامة، بخبرتها الطويلة ووعيها النقابي، أدركت أن استمرار التأجيل ليس سوى استنزاف لهيبة المؤسسة الثقافية، فحسمت قرارها بإجراء الانتخابات والموافقة على التقريرين المالي والإداري، لتقول بوضوح إن المؤسسات الثقافية لا تُدار بالمقاطعة، بل بالحضور والمشاركة والاحتكام إلى الصندوق.
وكانت النتيجة تعبيرًا واضحًا عن إرادة الهيئة العامة؛ إذ فاز سبعة أعضاء من التيار الثقافي الديمقراطي برئاسة الدكتور رياض ياسين، مقابل أربعة مقاعد لتحالف "التوافق" المدعوم من التيار القومي وتيار القدس. وهنا لا تبدو الأرقام مجرد حسابات انتخابية، بل دلالة على مزاج ثقافي جديد داخل الرابطة، يريد الانتقال من حالة الاصطفاف الحاد إلى العمل الثقافي المنتج، ومن استنزاف المؤسسة في الخلافات إلى إعادة الاعتبار لدورها الحقيقي.
لقد قالت الهيئة العامة كلمتها بوضوح: إن الرابطة ليست رهينة التعطيل، ولا أسيرة الحسابات الضيقة، بل فضاء مفتوح للإبداع والحوار والاختلاف الديمقراطي. وربما كان أجمل ما في هذه الانتخابات أنها أثبتت مرة أخرى أن المثقف الأردني، مهما اختلفت تياراته، يعرف في اللحظة الحاسمة كيف ينحاز إلى المؤسسة، وكيف يحميها من الانقسام والشلل.
فالكتابة التي تُدافع عن الحرية لا يمكن أن تخاف من صندوق الاقتراع، والثقافة التي تنادي بالتعددية لا يجوز أن تُعطّل إرادة أعضائها. ومن هنا، فإن ما حدث بالأمس لم يكن مجرد فوز قائمة وخسارة أخرى، بل كان انتصارًا لفكرة الرابطة نفسها، وانتصارًا لإرادة الهيئة العامة التي رفضت أن تُختطف المؤسسة بالتعطيل أو تُدار بمنطق الفراغ.
ستبقى رابطة الكتّاب الأردنيين أكبر من القوائم والتحالفات العابرة، لأنها في النهاية بيت الأدباء جميعًا، ولأن الثقافة في الأردن، رغم كل ما يحيط بها من تعب وضيق، ما تزال قادرة على تجديد نفسها كلما ظن البعض أنها وصلت إلى التعب الأخير.
ولذلك، أعادتني الانتخابات الأخيرة إلى عشر سنوات خلت، حين خضنا معركة ثقافية ونقابية لا تُنسى، يوم ترشحتُ رئيسًا لتحالف جمع "التيار الثقافي الديمقراطي" و"التيار القومي"، في مواجهة تيارات أخرى كانت ترى المشهد من زاوية مختلفة. يومها لم تكن المنافسة مجرد تنافس على المقاعد، بل كانت معركة على هوية الرابطة ودورها وموقعها في الحياة الثقافية الأردنية.
وأذكر جيدًا كيف حاول البعض آنذاك تعطيل الانتخابات، لا عبر صناديق الاقتراع، بل عبر الاتهامات والطعون ومحاولات التشكيك التي أُريد لها أن تتحول إلى عاصفة توقف المسار الديمقراطي. غير أن تلك الاتهامات سقطت أمام القضاء العادل، وبقيت الحقيقة أكثر صلابة من الضجيج، فيما انتصرت إرادة الهيئة العامة، وفازت القائمة كاملة بمقاعد الهيئة الإدارية، في مشهد أكد أن الثقافة، مهما اشتدت حولها المعارك، لا تُدار إلا بإرادة الكتّاب أنفسهم.
ما جرى قبل أسبوعين بدا وكأنه استعادة لذلك المشهد القديم، حين بدا تعطيل الانتخابات مقصودًا عبر عدم اكتمال النصاب القانوني، وكأن هناك من أراد إبقاء الرابطة معلّقة بين الفراغ والانتظار. ثم جاء يوم أمس الجمعة ليؤكد أن التعطيل لم يكن عابرًا ولا بريئًا، بل محاولة ثانية لإرباك المشهد وتأجيل الحسم. غير أن الهيئة العامة، بخبرتها الطويلة ووعيها النقابي، أدركت أن استمرار التأجيل ليس سوى استنزاف لهيبة المؤسسة الثقافية، فحسمت قرارها بإجراء الانتخابات والموافقة على التقريرين المالي والإداري، لتقول بوضوح إن المؤسسات الثقافية لا تُدار بالمقاطعة، بل بالحضور والمشاركة والاحتكام إلى الصندوق.
وكانت النتيجة تعبيرًا واضحًا عن إرادة الهيئة العامة؛ إذ فاز سبعة أعضاء من التيار الثقافي الديمقراطي برئاسة الدكتور رياض ياسين، مقابل أربعة مقاعد لتحالف "التوافق" المدعوم من التيار القومي وتيار القدس. وهنا لا تبدو الأرقام مجرد حسابات انتخابية، بل دلالة على مزاج ثقافي جديد داخل الرابطة، يريد الانتقال من حالة الاصطفاف الحاد إلى العمل الثقافي المنتج، ومن استنزاف المؤسسة في الخلافات إلى إعادة الاعتبار لدورها الحقيقي.
لقد قالت الهيئة العامة كلمتها بوضوح: إن الرابطة ليست رهينة التعطيل، ولا أسيرة الحسابات الضيقة، بل فضاء مفتوح للإبداع والحوار والاختلاف الديمقراطي. وربما كان أجمل ما في هذه الانتخابات أنها أثبتت مرة أخرى أن المثقف الأردني، مهما اختلفت تياراته، يعرف في اللحظة الحاسمة كيف ينحاز إلى المؤسسة، وكيف يحميها من الانقسام والشلل.
فالكتابة التي تُدافع عن الحرية لا يمكن أن تخاف من صندوق الاقتراع، والثقافة التي تنادي بالتعددية لا يجوز أن تُعطّل إرادة أعضائها. ومن هنا، فإن ما حدث بالأمس لم يكن مجرد فوز قائمة وخسارة أخرى، بل كان انتصارًا لفكرة الرابطة نفسها، وانتصارًا لإرادة الهيئة العامة التي رفضت أن تُختطف المؤسسة بالتعطيل أو تُدار بمنطق الفراغ.
ستبقى رابطة الكتّاب الأردنيين أكبر من القوائم والتحالفات العابرة، لأنها في النهاية بيت الأدباء جميعًا، ولأن الثقافة في الأردن، رغم كل ما يحيط بها من تعب وضيق، ما تزال قادرة على تجديد نفسها كلما ظن البعض أنها وصلت إلى التعب الأخير.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/16 الساعة 10:05