شديفات يكتب: من الفزعة إلى الدولة.. الإدارة المحلية في الأردن تعيد تعريف نفسها

المهندس مؤيد الرشود الشديفات
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/14 الساعة 20:50
____________________________

قراءة سياسية عميقة في التحول الذي تحمله مسودة الإدارة المحلية 2026

____________________________

ليست التحولات الكبرى دائمًا صاخبة كما تبدو في نشرات الأخبار ، و لا تبدأ كل التغييرات من فوق المنابر أو خلف الميكروفونات .

أحيانًا تبدأ التحولات الحقيقية بهدوء داخل نص قانون ، أو مادة تشريعية ، أو تعديل يبدو إداريًا في ظاهره ، لكنه في عمقه يعيد تشكيل طريقة تفكير الدولة بنفسها ، و بمؤسساتها ، و بالعلاقة التي تربطها بالمجتمع و المدينة و القرار المحلي .

و هذا تمامًا ما تبدو عليه مسودة قانون الإدارة المحلية لسنة 2026 الجديد.

فالمسألة هنا لا تتعلق فقط بإعادة توزيع صلاحيات ، أو استحداث مواقع إدارية ، أو تعديل بنود تنظيمية داخل البلديات و مجالس المحافظات ، بل تبدو أقرب إلى محاولة عميقة لإعادة تعريف فلسفة الإدارة العامة المحلية في الأردن كله .

إنها محاولة للانتقال من دولة تُدار أحيانًا بردّات الفعل و الاجتهادات الفردية ، إلى دولة تُدار بالمؤسسية ، و الحوكمة ، و التخطيط، و استدامة القرار .

و من يقرأ المسودة بتمعّن ، يدرك سريعًا أن الدولة الأردنية لا تكتب “ قانون بلديات ” جديدًا فقط ؛

بل تحاول إعادة صياغة العلاقة بين:

⁃ الدولة و المجتمع

⁃ و السياسة و الإدارة

⁃ و التمثيل الشعبي و الكفاءة المهنية

و المركز و الأطراف

⁃ و الخدمة اليومية و الرؤية التنموية بعيدة المدى

⁃ و حتى بين “هيبة الموقع” و ”هيبة المكان”

فالأردن ، وهو يدخل مئويته الثانية ، بدا و كأنه يراجع بصوت مرتفع تجربة طويلة من الإدارة المحلية ؛ تجربة حملت كثيرًا من الاجتهادات و النجاحات الفردية ، لكنها حملت أيضًا تداخلًا معقدًا بين الشخص و المؤسسة ، و بين النفوذ و التنظيم ، و بين “ الفزعة ” و منهج الدولة الحديثة .

ولهذا، تبدو المسودة الجديدة وكأنها تقول بلغة هادئة ولكن حاسمة :

“ لم يعد ممكنًا أن تُدار المدن بعقلية المختار وحدها ، فيما العالم يُدار بالخوارزميات و الاقتصاد الحضري و الحوكمة الذكية ”

____________________________

من “إدارة الوجهاء” إلى “إدارة الدولة”

كيف بدأت الدولة مراجعة فلسفة الإدارة المحلية؟

____________________________

لسنوات طويلة ، كانت البلديات في نظر قطاعات واسعة من المواطنين أقرب إلى “ غرف خدمات موسمية ”

تُقاس نجاعتها بعدد الحفر التي رُدمت، أو الشوارع التي عُبدت ، أو الرخص التي وُقعت ، أو الأزمات التي جرى ترحيلها من موازنة إلى أخرى .

لكن الحقيقة الأعمق لم تكن في الشارع وحده ، بل في البنية الإدارية نفسها .

ففي كثير من الأحيان ، كانت البلديات تُدار بعقلية الشخص لا المؤسسة ؛ فإذا حضر الرئيس القوي تحركت الملفات ، و إذا غاب تعطلت العجلة ، و كأن المدينة كلها مربوطة بإرادة فرد واحد لا بمنظومة متكاملة .

و كأن بعض الإدارات المحلية بقيت سنوات طويلة تُدار بعقلية “فزعة موظف الديوان البلدية ” لا بعقلية الدولة

فإذا حضر الرجال تحركت المعاملة ، و إذا غابوا بقيت الملفات

“ مربوطة بحبل على وتد أم الكروم ”.

و كانت بعض المدن تبدو و كأنها تعيش داخل دائرة مغلقة؛

الوجوه تتغير ، لكن الأدوات تبقى ذاتها ، و القرارات تدور في الحلقة نفسها ، كما تدور “ الساقية القديمة”

التي تُحدث ضجيجًا كبيرًا … دون أن تغيّر مجرى الماء .

ولهذا ، جاءت المسودة الجديدة و كأنها محاولة لفك هذا الاشتباك القديم بين

“هيبة الشخص” و”استمرارية المؤسسة”.

فالدولة ، كما يبدو من روح النصوص الجديدة ، لم تعد تريد بلديات تقوم على “الحضور الفردي” ، بل إدارات محلية تقوم على :

⁃ توزيع الصلاحيات

⁃ و التسلسل الإداري

⁃ و وضوح الاختصاص

⁃ و ربط القرار بالمؤسسة لا بالأمزجة الشخصية

⁃ و بناء ذاكرة إدارية لا تموت بخروج المسؤول

ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في المواد المتعلقة بإعادة هيكلة الإدارة البلدية ، والتي تعكس انتقالًا تدريجيًا

من نموذج

“ الرئيس التنفيذي المطلق ”

إلى نموذج

” الإدارة المؤسسية متعددة الأدوار ”

و في البعد السياسي ، يبدو أن الدولة وصلت إلى قناعة مفادها أن المدن الحديثة لم تعد تُدار بالعلاقات الشخصية وحدها ، بل تحتاج إلى عقل إداري قادر على التخطيط و الاستدامة و إدارة الموارد بكفاءة .

وكأن الرسالة الضمنية للمسودة تقول:

“ الدولة التي تريد مدنًا حديثة … لا تستطيع أن تُبقي الإدارة رهينة للاجتهاد الفردي ”

____________________________

البلديات القديمة … حين كانت الخدمات تُدار بعقلية الطوارئ

لماذا لم يعد النموذج التقليدي قادرًا على الاستمرار؟

____________________________

لسنوات طويلة، بقيت الإدارة المحلية في الأردن تدور داخل دائرة

“ إدارة اليوم بيومه ”

!!

كانت البلديات تتحرك غالبًا تحت ضغط الشارع ، أو استجابة للأزمات ، أو بناءً على حجم الضغط الشعبي و النيابي ، أكثر مما تتحرك وفق خطط تنموية بعيدة المدى .

و لهذا ، لم تكن الأزمة دائمًا في النوايا ، بل في طبيعة النموذج الإداري نفسه .

فكثير من البلديات كانت تُشبه رجلًا يحمل الماء بيديه من بحرٍ مثقوب ؛ يركض طوال الوقت ، لكنه لا يصل إلى الامتلاء أبدًا .

موازنات تُستهلك في النفقات التشغيلية ، وديون تتراكم ، و مشاريع تتعثر ، و قرارات تُتخذ أحيانًا وفق المزاج أو الضغوط أو الحسابات الانتخابية الضيقة .

وفي ظل هذا الواقع ، تحولت بعض البلديات إلى مؤسسات “ تُطفئ الحرائق ” بدل أن تبني المدن .

فالمحافظات لم تعد تحتمل أن تبقى رهينة “ موسم خطابات ” ، ينتهي مع آخر فنجان قهوة بعد الانتخابات ، فيما تبقى الشوارع و المشاريع و الخدمات تدور في الحلقة نفسها .

و كأن بعض الإدارات كانت تعيش على سياسة “ ترحيل الوجع ” ، لا علاجه ؛

حفرة تُردم اليوم لتعود غدًا

و مشروع يُعلن كل عام

كما لو أنه “ وعد موسم”، لا خطة دولة .

و لهذا ، جاءت المسودة الجديدة و كأنها تقول إن زمن الإدارة المحلية بوصفها

“ غرفة طوارئ دائمة ” قد انتهى

و إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى بلديات تفكر بعقلية:

⁃ التخطيط الحضري

⁃ و التنمية الاقتصادية

⁃ و الإدارة الذكية

⁃ و الاستدامة المالية

⁃ و بناء المدينة كمنظومة حياة لا كدفتر خدمات فقط.

بل إن كثيرًا من مواد القانون الجديدة تعكس بوضوح رغبة الدولة في نقل البلديات من

“ ردّ الفعل ” إلى “ صناعة الفعل ”

و من إدارة الأزمة إلى إدارة المستقبل.

____________________________

المدير التنفيذي… ولادة مركز إداري جديد

نهاية زمن “ الرئيس الذي يفعل كل شيء ”

____________________________

ربما يكون استحداث منصب المدير التنفيذي أخطر تحول بنيوي في القانون كله ، ليس لأنه يضيف وظيفة إدارية جديدة فحسب ، بل لأنه يعيد تعريف مركز القوة داخل البلدية .

ففي النموذج التقليدي ، كان رئيس البلدية هو :

⁃ السياسي

⁃ و المدير

⁃ و المحاسب

⁃ و المفاوض

⁃ و صاحب القرار التنفيذي اليوم و الواجهة الشعبية و الإدارية معًا .

و كانت بعض البلديات تتحول عمليًا إلى ما يشبه “ الإقطاع الإداري الصغير ” ، تدور الملفات فيه حول الأشخاص أكثر مما تدور حول الأنظمة .

أما اليوم ، فالمعادلة تتغير بصورة جذرية .

فالمواد الخاصة بالمدير التنفيذي تمنحه صلاحيات واضحة في :

⁃ إدارة الجهاز التنفيذي،

⁃ و الإشراف الإداري والمالي

⁃ و متابعة تنفيذ قرارات المجلس و قياس الأداء

⁃ و إدارة الموارد البشرية و. المالية

⁃ و ربط الخطط بالأهداف والنتائج.

بينما يُعاد تعريف دور الرئيس باعتباره قائدًا للرؤية السياسية و التنموية ، لا مديرًا لكل تفصيلة يومية .

وهنا تحديدًا تكمن الرسالة السياسية العميقة للمسودة :

“ الدولة تريد مؤسسات تعيش بعد الأشخاص ، لا مؤسسات تنهار بخروجهم.”

فالدولة ، كما يبدو ، لم تعد تريد مدينة “ تنام و تصحو على مزاج المختار ”

بل مدينة تعمل

حتى لو انطفأت الأسماء و غادر أصحاب الكراسي .

و. في المقارنة مع قانون 2021، يبدو واضحًا أن الدولة كانت تميل سابقًا إلى نموذج “ الرئيس المحور ” ، بينما تتجه اليوم نحو نموذج :

“الرئيس الذي يقود الرؤية … و المدير الذي يقود التنفيذ.”

فالدولة الحديثة لا تُبنى على الكاريزما الفردية مهما كانت قوية، بل على :

⁃ وضوح الأدوار

⁃ و التسلسل الإداري

⁃ و استقرار القرار

⁃ و المؤسسية التي تستمر مهما تغيّرت الأسماء.

و كأن البلديات لم تعد خيامًا تُرفع برجل واحد ، بل بيوت دولة تُبنى على أعمدة ثابتة لا تسقط بتبدل الأشخاص .

____________________________

الحوكمة تدخل المشهد

عندما قررت الدولة أن يصبح القرار البلدي قابلاً للمحاسبة

____________________________

في الشرق عمومًا ، كثيرًا ما بدت كلمة “ حوكمة ” و كأنها مصطلح بارد يُستخدم في تقارير المؤسسات الدولية أكثر مما يُستخدم في حياة الناس اليومية .

لكن الحقيقة أن الحوكمة هي الفارق بين مشروع يكتمل ، و آخر يبقى لوحة زرقاء على جانب الطريق لعشر سنوات ، يبهت لونها أكثر مما يتقدم العمل فيها .

و لهذا ، فإن إدخال مفاهيم الحوكمة إلى صلب الإدارة المحلية ليس تفصيلًا بيروقراطيًا كما قد يظن البعض ، بل محاولة لإدخال “ عقل الدولة المؤسسي ” إلى قلب القرار البلدي .

فالمسودة تتحدث بوضوح عن:

⁃ مؤشرات أداء

⁃ و لجان متابعة

⁃ و تقارير تقييم

⁃ و رقابة على الإنفاق

⁃ و ضبط للعطاءات والاستثمارات

⁃ و متابعة نسب الإنجاز

⁃ و ربط التمويل بالكفاءة والنتائج.

أي أن القرار البلدي لم يعد

“ جلسة مزاجية بعد فنجان قهوة ”

بل

” عملية إدارية قابلة للقياس و المحاسبة و التقييم ”

و في التجربة السابقة ، كانت بعض المشاريع تُدار أحيانًا بمنطق “ الاجتهاد الشخصي ” ، فيما تُقاس النجاحات بالإعلانات و الصور أكثر مما تُقاس بالأرقام و النتائج الفعلية .

لأن بعض المشاريع في الماضي كانت تُدار كما تُدار

“ سوالف المضافات و القعدات ”

كثير من النوايا الطيبة … و قليل من دفاتر الحساب .

أما اليوم، فالمعادلة تتغير .

فاللامركزية التي تمنح صلاحيات أوسع ، تحتاج بالمقابل إلى أدوات رقابة أقوى ، و إلى مؤسسات قادرة على منع تضارب المصالح ، و ضبط الإنفاق ، و حماية المال العام من العشوائية أو الارتجال .

و لهذا ، تبدو الحوكمة هنا وكأنها

” حارس الدولة الصامت ” داخل الإدارة المحلية ؛

تراقب ، و تقيس ، و تمنع تحوّل الصلاحيات إلى فوضى أو مزاجية أو اجتهادات فردية متضاربة .

و كأن الدولة تقول :

“ المدن لا تُدار بالنوايا الحسنة وحدها … بل بالأنظمة التي تمنع الخطأ قبل وقوعه .”

____________________________

البلديات كقوة اقتصادية لا كصناديق عجز

كيف تحاول المسودة تحويل البلديات إلى محركات تنمية ؟

____________________________

ربما أدركت الدولة أخيرًا أن البلديات الأردنية لا يمكن أن تبقى تستدين لتضيء الشوارع ، أو تنتظر الدعم الحكومي كلما تعطلت موازنة أو تعثرت خدمة .

فمدينة لا تنتج اقتصادًا ، ستبقى دائمًا تركض خلف الرواتب و الكهرباء و النفقات التشغيلية ، كمن يسكب الماء في الرمل ثم يسأل لماذا لا يمتلئ الإناء .

ولهذا جاءت مواد الاستثمار والشراكة مع القطاع الخاص كإعلان واضح عن انتقال البلديات

من عقلية

“الصندوق الخدمي”

إلى عقلية

“المحرك الاقتصادي المحلي”.

فالمسودة تفتح الباب أمام:

⁃ استثمار الأصول

⁃ و الشراكات التشغيلية

⁃ و إدارة المرافق

⁃ و الدخول في مشاريع تنموية وإنتاجية

⁃ و تطوير الأسواق و المناطق الحرفية

⁃ و الاستفادة من الأراضي و الممتلكات البلدية بطريقة أكثر كفاءة .

لكن اللافت أن الدولة لم تترك الباب مفتوحًا للفوضى أو المصالح الضيقة ، بل ربطت ذلك بـ :

⁃ دراسات جدوى،

⁃ وشفافية،

⁃ وإفصاح،

⁃ ومنع تضارب المصالح،

⁃ ورقابة تنظيمية ومالية،

⁃ وآليات واضحة للتعاقد والمتابعة.



و هنا يظهر التحول العميق في فلسفة الدولة .

فالبلدية لم تعد تُرى كعبء مالي فقط ، بل كأداة قادرة على خلق النمو و تحريك الاقتصاد المحلي و خلق فرص العمل .

وفي التجربة القديمة

بقيت كثير من الأصول البلدية أشبه بـ“ذهب مدفون تحت التراب”

لا أحد يعرف كيف يستثمره أو يحوله إلى قيمة اقتصادية حقيقية .

فبعض الأصول البلدية بقيت لسنوات مثل

“ أرض بور على طرف السيل ”

يعرف الجميع قيمتها ، لكن لا أحد يجرؤ على الاقتراب من فكرة استثمارها .

وبعض البلديات امتلكت مواقع استراتيجية و أسواقًا و ممتلكات قادرة على تغيير واقعها المالي ، لكنها بقيت معلّقة بين البيروقراطية و الخوف من القرار وضعف أدوات الإدارة .

أما اليوم، فالدولة تبدو وكأنها تقول:

“ المدينة التي لا تنتج اقتصادًا … ستبقى تطلب النجدة مع كل أزمة .”

____________________________

الرقمنة … المعركة الصامتة ضد الواسطة و البطء و البيروقراطية

من

“ مين بعرف مين”

إلى

“ماذا يقول النظام؟”

____________________________

في الثقافة الشعبية الأردنية ، كثيرًا ما كانت المعاملة الحكومية تُشبه

“ رحلة حج صغيرة ” ؛

ختم من هنا ، و توقيع من هناك ، و ملف يضيع بين الأدراج كما تضيع الحكايات القديمة بين الرواة .

و كان المواطن أحيانًا يشعر أن الوصول إلى الخدمة يحتاج “ جاهة صغيرة ” أكثر مما يحتاج طلبًا رسميًا .

و لهذا ، فإن إلزام البلديات بالتحول الرقمي لا يبدو مجرد تحديث تقني ، بل معركة إدارية و ثقافية كاملة ضد البيروقراطية و الواسطة والبطء .

فالرقمنة هنا تعني:

⁃ تقليل الاحتكاك البشري

⁃ و توحيد الإجراءات،

⁃ و كشف التأخير

⁃ و توثيق القرار

⁃ و ربط الخدمات بالأنظمة لا بالأشخاص

⁃ و إنهاء المساحات الرمادية التي تنمو فيها الفوضى و الواسطة .

أي أن الدولة تريد أن تنتقل من :

“ مين بعرف مين؟ ”

إلى:

“ ماذا يقول النظام؟ ”

لأن الدولة تدرك أن زمن

“ هات الورقة من تحت الطاولة ”

لم يعد قادرًا على إدارة مدينة تريد أن تلحق بالعالم .

فالأنظمة الإلكترونية لا تعرف المجاملات ، و لا العلاقات الشخصية ، ولا

“ مرّرها هذه المرة ”

!

وهي، في جوهرها ، تسحب القرار من المزاج البشري إلى المعايير الواضحة .

و لهذا ، فإن الرقمنة ليست مجرد شاشات و أجهزة ، بل إعادة تعريف كاملة لفلسفة الإدارة العامة نفسها .

إنها محاولة لإخراج الدولة من الأدراج الورقية

و من عقلية

“ المعاملة الضائعة ”

إلى

” دولة تعرف أين يوجد الملف ، و من عطّله ، و لماذا تأخر ، و متى أُنجز ” .

____________________________

إعادة تشكيل مجالس المحافظات

هل تتراجع الشعبوية لصالح التخطيط؟

____________________________

من أكثر المواد إثارة للنقاش إعادة تشكيل مجالس المحافظات .

فهنا يبدو واضحًا أن الدولة تحاول تخفيف الطابع الانتخابي الصرف ، مقابل تعزيز حضور :

⁃ أصحاب الاختصاص،

⁃ والخبرات الاقتصادية،

⁃ والكفاءات التنموية،

⁃ والشباب والمرأة،

⁃ وممثلي القطاعات المهنية والمجتمعية.

في محاولة لتحويل المجالس من ساحات للمطالبات و الخدمات الآنية ، إلى منصات تخطيط و تنمية قادرة على التفكير بالمحافظة بوصفها وحدة اقتصادية و تنموية متكاملة .

فالمرحلة المقبلة

— كما يبدو من فلسفة القانون —

لا تحتاج فقط إلى من يجيد الخطابة أو الحشد الشعبي ، بل إلى :

⁃ مهندس يفهم البنية التحتية

⁃ و خبير اقتصادي يفهم الاستثمار

⁃ و مخطط حضري يفهم المدن

⁃ و عقول قادرة على قراءة المستقبل لا فقط إدارة الحاضر .

فالمحافظات لم تعد تحتمل أن تبقى رهينة “ موسم خطابات ” ، ينتهي مع آخر فنجان قهوة بعد الانتخابات ، فيما تبقى المشروعات معلقة بين الوعود و الواقع .

و كأن الدولة تقول هنا :

“ المدينة الحديثة لا تُدار بالشعبوية وحدها … بل بالمعرفة أيضًا .”

____________________________

لجان الأحياء… إعادة السياسة إلى الناس

كيف تحاول الدولة سماع صوت الشارع الحقيقي؟

____________________________

في كثير من المدن ، كان المواطن يشعر أن البلدية بعيدة عنه بمسافة شارع كامل ، و أن القرارات تُصنع أحيانًا خلف المكاتب أكثر مما تُصنع في الميدان .

و لهذا ، فإن لجان الأحياء والمشاركة المجتمعية ليست مجرد إضافة شكلية ، بل محاولة لإعادة بناء الجسر بين الناس والقرار المحلي .

فالحيّ يعرف مشكلاته أكثر من أي تقرير رسمي :

⁃ أين تغرق الشوارع

⁃ و أين تختنق الحركة

⁃ و أين تحتاج المدارس

⁃ و أين يشعر الناس بالتهميش

⁃ و أين تتحول الخدمات إلى عبء يومي على السكان .

فالشارع يعرف وجعه أكثر من أي تقرير مكتوب بحبر بارد داخل المكاتب المكيفة .

ولهذا، فإن الدولة تحاول

— عبر هذه المواد —

إعادة إشراك المجتمع في صناعة القرار، بحيث يصبح المواطن جزءًا من التخطيط لا مجرد متلقٍ للنتائج .

وكأن الرسالة تقول:

“ لن نخطط للناس من خلف المكاتب فقط … بل معهم و من بينهم”

[ فَأهلُ مَكة أَدرى بِشعابها ]

____________________________

ما وراء القانون

هل تحاول الدولة إنهاء “ أم الكروم ” الإدارية ؟

____________________________

حين تُقرأ المسودة كاملة ، يظهر أن القضية ليست بلديات فقط، بل مشروع أوسع لإعادة صياغة الإدارة العامة في الأردن كله .

فالدولة تبدو وكأنها تنتقل من مرحلة:

إدارة الاستقرار

إلى :

إدارة الكفاءة .

و من :

احتواء المشكلات

إلى :

بناء مؤسسات تمنع حدوثها أصلًا .

ولهذا، فإن القانون الجديد لا يحاول فقط معالجة اختلالات إدارية متراكمة ، بل يبدو وكأنه محاولة حقيقية لإنهاء “ مسلسل أم الكروم ” الإداري الطويل؛

ذلك المسلسل الذي بقيت فيه بعض الإدارات تدور حول الأشخاص ، و الترضيات ، و ردّات الفعل ، أكثر مما تدور حول التخطيط و المؤسسة .

فـ“ أم الكروم ” هنا ليست مكانًا … بل ذهنية كاملة .

ذهنية ترى أن الإدارة يمكن أن تستمر بالحد الأدنى من الأدوات ، و بالاجتهادات الفردية

و بـ “ ربط الأمور بالحبال القديمة ”

حتى لو اهترأت مع الزمن.

لكن الدولة اليوم تبدو وكأنها تحاول قطع هذا الحبل بهدوء ، لا بالصدام .

تحاول أن تنقل الإدارة المحلية من:

⁃ عقلية “المضافة” إلى عقلية المؤسسة

⁃ ومن “دفتر المختار” إلى قواعد البيانات

⁃ ومن “الوجاهة” إلى الحوكمة

ومن “الفزعة المؤقتة” إلى التخطيط المستدام.

و كأن الدولة تقول :

“ كفى دورانًا في الساقية نفسها … آن للمدن أن تمشي إلى الأمام .”

ولعل أكثر ما يلفت في المسودة ، أنها لا تحاول هدم البيت القديم دفعة واحدة ، بل إعادة توزيع أعمدته ، و ترميم ما يمكن ترميمه ، و بناء طابق جديد فوقه بعقل مختلف .

فهي تدرك أن التغيير في الإدارة المحلية ليس معركة قانون فقط ، بل معركة ثقافة إدارية متراكمة منذ عقود .

و لهذا ، فإن جوهر التحول الحقيقي لا يكمن فقط في النصوص ، بل في الرسالة السياسية الكامنة خلفها :

“ الدولة لم تعد تريد إدارة تعيش على مهارة الالتفاف على الأزمات … بل إدارة تمنع الأزمات قبل أن تولد .”

____________________________

رجال المرحلة… حين يتحول القانون إلى مشروع دولة

وليد المصري و بكر الرحامنة …

بين الرؤية السياسية و هندسة التفاصيل

____________________________

و في خضم هذا التحول الكبير ، لا يمكن النظر إلى مسودة قانون الإدارة المحلية 2026 بوصفها مجرد نصوص تشريعية خرجت من أروقة الوزارة ، بل كمحصلة عمل سياسي و إداري طويل .

شاركت فيه الدولة بحوار واسع مع الكتل النيابية ، و البلديات ، و النقابات ، و الفعاليات الشعبية ، و مؤسسات المجتمع المدني ، في محاولة لصناعة قانون يُشبه الأردن الذي يدخل مئويته الثانية ، لا الأردن الذي بقي طويلًا أسير أدوات الأمس .

وفي قلب هذا الجهد ، برز معالي المهندس وليد المصري بصورة رجل الدولة الذي تعامل مع ملف الإدارة المحلية بوصفه مشروع إصلاح وطني ، لا مجرد ملف خدمات يومي .

فالمصري بدا خلال جلسات الحوار والنقاش وكأنه يقود عملية

“ إعادة هندسة هادئة ”

للإدارة المحلية الأردنية

واضعًا خبرته و رؤيته في سبيل بناء نموذج أكثر قدرة على الكفاءة و الاستدامة و الحوكمة ، و أكثر انسجامًا مع مخرجات مشروع التحديث السياسي و الإداري الذي تسير فيه الدولة الأردنية .

وكان واضحًا خلال لقاءاته مع النواب والبلديات والنقابات والفعاليات الشعبية، أن الرجل لا يدير “ مشروع مسودة قانون ” فحسب ، بل يحمل هاجس إعادة بناء العلاقة بين الدولة و الإدارة المحلية على أسس أكثر نضجًا و حداثة .

كما برز إلى جانب ذلك الحضور الإداري القيادي لعطوفة الدكتور بكر الرحامنة ، الذي بدا كأحد أبرز العقول التي اشتغلت بصمت على تحويل الرؤية الإصلاحية إلى نصوص قابلة للحياة و التطبيق .

فالرحامنة لم يكن مجرد مسؤول يتابع التفاصيل الإدارية ، بل ظهر بوصفه عقلًا مؤسسيًا يحمل هاجس بناء قانون متوازن ؛ قانون يفتح الباب أمام التحديث، دون أن يصطدم بتعقيدات الواقع البلدي أو التحديات المتراكمة عبر السنوات .

و قد لمس كثير ممن تابعوا اللقاءات والنقاشات حجم الانشغال الحقيقي لدى المصري و الرحامنة بإنجاح هذا المشروع

ليس باعتباره

“ قانون وزارة ”

بل باعتباره

” جزءًا من مشروع دولة تحاول إعادة شدّ العصب الإداري والمؤسسي في الأردن ” .

و لعل أكثر ما يُحسب لهذا الجهد ، أنه لم يُبنَ على لغة الاستعراض أو الضجيج الإعلامي ، بل على عمل هادئ و تراكمي و صبر سياسي طويل ، في محاولة لصناعة إدارة محلية أكثر نضجًا ، و أكثر قدرة على مواكبة تحديات المدن الحديثة و تحولات الدولة المقبلة .

____________________________

الأردن يعيد تعريف العلاقة بين المدينة والدولة

لماذا تبدو مسودة 2026 أكثر من مجرد قانون إدارة محلية؟

____________________________

ليست كل القوانين قادرة على صناعة لحظة سياسية ، لكن بعض القوانين تكشف بوضوح أين تريد الدولة أن تذهب .

و مسودة الإدارة المحلية 2026 تبدو أقرب إلى

” إعلان انتقال من دولة الخدمات التقليدية إلى دولة الإدارة الحديثة ” .

هي محاولة لإخراج البلديات من:

⁃ الشخصنة

⁃ و العشوائية

⁃ و الاعتماد الكامل على المركز

⁃ و إدارة الأزمات بعقلية “الترقيع المؤقت” .

إلى:

⁃ المؤسسية

⁃ و الحوكمة

⁃ و التنمية

⁃ و الاستثمار

⁃ و الشراكة مع المجتمع

⁃ و التخطيط طويل الأمد.

وكأن الدولة تقول بهدوء الواثق :

“ لا يمكن أن نبني مدن المستقبل بعقلية من ما زالت ترى البلدية مجرد غرفة مفاتيح و دفتر أختام .”

و ربما لهذا السبب ، فإن هذه المسودة لا تبدو مجرد تعديل قانوني ، بل أشبه بعملية

“ إعادة شدّ للعصب الإداري للدولة ”.

فالأردن ، الذي اعتاد عبر تاريخه أن يواجه التحديات بإدارة متماسكة ، يبدو اليوم و كأنه يقول :

“ إن المدن التي نريدها للمستقبل ، لا يمكن أن تُدار بعقل الأمس .”

وربما للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، تبدو الدولة وكأنها تحاول أن تُنزل الستارة بهدوء على

“ مسلسل أم الكروم ” الإداري الطويل؛

ذلك المسلسل الذي بقيت فيه بعض الإدارات تدور حول الأشخاص و الترضيات و ردّات الفعل ، أكثر مما تدور حول التخطيط و الكفاءة و المؤسسة.

لكن الستارة هنا لا تُسدل على مدينة … بل على ذهنية كاملة .

ذهنية كانت ترى أن إدارة المدن تكفيها “ الفزعة ”

و أن الحاضر يمكن أن يبقى أسير الأدوات القديمة مهما تغيّر العالم من حوله.

أما اليوم ، فالدولة تبدو وكأنها تفتح الباب لمرحلة جديدة؛

مرحلة لا يُقاس فيها نجاح البلدية

” بعدد الصور و الوعود ”

بل بقدرتها على

” بناء مدينة تستطيع أن تعيش و تكبر و تستمر … حتى حين يغادر الأشخاص ، و تبقى الدولة ”
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/14 الساعة 20:50