المساد يكتب: صناعة التأثير في الأردن.. من رواية الدولة إلى اقتصاد الحضور

مأمون المساد
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/13 الساعة 08:12
على امتداد ربع قرن في العمل الإعلامي، لم يعد السؤال بالنسبة لي: هل يملك الأردن قصة تستحق أن تُروى؟ بل: لماذا لا تزال هذه القصة، بكل ما فيها من عمق وإنجاز وهوية، أقل حضوراً مما تستحق في الفضاء العربي والدولي؟ خلال سنوات طويلة بين الميكروفون والكاميرا وغرف الأخبار ومواقع الأحداث، أدركت أن الدول لا تخسر فقط بالحروب أو الأزمات الاقتصادية، بل قد تخسر أيضاً حين تعجز عن رواية نفسها للعالم. وهنا تحديداً تبدأ معركة (صناعة التأثير).

الأردن ليس دولة تبحث عن تعريف لنفسها؛ بل دولة صنعت نموذجها وسط أكثر أقاليم العالم اضطراباً. دولة نجحت في بناء الاستقرار، وحفظ التوازن، وتقديم خطاب عقلاني في زمن الصخب والانقسام. ومع ذلك، فإن جزءاً كبيراً من هذا الإنجاز ما يزال يُدار بعقلية “رد الفعل”، لا بعقلية (صناعة الحضور)

لقد تغير العالم ولم تعد الصورة تُصنع في نشرات الأخبار وحدها، ولا في البيانات الرسمية، ولا حتى عبر المؤسسات التقليدية. نحن أمام عصر تتحكم فيه المنصات الرقمية، والخوارزميات، وسرعة الانتشار، واقتصاد الانتباه. عصرٌ قد تنتصر فيه رواية ضعيفة فقط لأنها أكثر انتشاراً، بينما تتراجع رواية حقيقية لأنها لم تُنتج بالشكل الذي يليق بها ، ومن هنا، فإن الحديث عن (صناعة التأثير). في الأردن لم يعد ترفاً فكرياً أو إعلامياً، بل ضرورة سيادية وثقافية واقتصادية.

الأردن يمتلك كل عناصر القوة الناعمة تقريباً؛قيادة تحظى باحترام دولي، إرث هاشمي عميق، وصاية تاريخية على المقدسات، مؤسسة عسكرية محل تقدير، مجتمع متماسك، تعليم متقدم، وموقع سياسي يملك المصداقية حتى في أكثر الملفات تعقيداً. لكن السؤال الحقيقي: هل قمنا بتحويل هذه العناصر إلى (صناعة)؟

للأسف، ما يزال جزء كبير من الخطاب الإعلامي العربي يعيش بعقلية التغطية لا بعقلية التأثير، وبمنطق الخبر لا بمنطق السردية. بينما العالم اليوم يبني صورته عبر الأفلام، والمنصات، والبودكاست، والوثائقيات، والمحتوى القصير، والذكاء الاصطناعي، وصنّاع الرأي الجدد ، لقد أصبحت صناعة التأثير اقتصاداً كاملاً، لا مجرد نشاط إعلامي.

الدول الكبرى تستثمر مليارات الدولارات في تشكيل صورتها الذهنية، لأنها تدرك أن النفوذ يبدأ أحياناً من شاشة هاتف، أو من قصة قصيرة، أو من فيلم وثائقي، أو حتى من “ترند” ذكي قادر على الوصول إلى ملايين البشر.

في الأردن، نحن أمام فرصة تاريخية لا ينبغي إضاعتها،لدينا جيل أردني استثنائي في الوعي والمعرفة والقدرة التقنية، لكنه يحتاج إلى مشروع وطني يؤمن به. نحتاج إلى الانتقال من استهلاك المحتوى إلى إنتاجه، ومن الدفاع عن الرواية الأردنية إلى تصديرها، ومن الإعلام التقليدي إلى اقتصاد التأثير.

وهنا، لا بد من التوقف عند تجربة مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الأردنية، التي بدأت تلتقط بوعي واضح تحولات المشهد الإعلامي الحديث، وتدرك أن المعركة لم تعد فقط على “نقل الخبر”، بل على صناعة الحضور والتأثير.

فالتلفزيون الأردني، بما يمثله من ذاكرة وطنية ومؤسسة دولة، لم يعد يتحرك ضمن القوالب التقليدية وحدها، بل بات يتجه نحو بناء ماكينة إنتاج أكثر قوة وحداثة، عبر تطوير برامجه، وتوسيع حضوره الرقمي، والدخول إلى فضاء المنصات الجديدة، وإنتاج محتوى قادر على مخاطبة الأجيال المختلفة بلغتها وأدواتها.

وهذا التحول ليس تفصيلاً إعلامياً، بل مؤشر مهم على إدراك الدولة الأردنية لأهمية (اقتصاد الرواية) في العصر الحديث. فالمؤسسات الوطنية الكبرى حين تدخل معركة التأثير بأدوات عصرية، فإنها لا تحمي الوعي العام فقط، بل تعيد تقديم صورة الأردن بثقة وكفاءة إلى الداخل والخارج.

ما الذي يمنع الأردن من أن يكون مركزاً عربياً للإنتاج الإعلامي الرقمي؟ ما الذي يمنع تحويل تاريخنا الوطني، وجغرافيتنا، وقصصنا الإنسانية، وإرثنا الحضاري، إلى محتوى عالمي؟ما الذي يمنع أن تتحول مؤسساتنا الثقافية والإعلامية إلى منصات إنتاج حديثة، قادرة على مخاطبة العالم بلغته الجديدة؟

إن صناعة التأثير ليست مجرد مهمة إعلاميين، بل مشروع دولة. تبدأ من التعليم، وتمر بالثقافة والسياحة والاقتصاد، وتنتهي عند صورة الأردن في عقل العالم، نحن بحاجة إلى رؤية وطنية جديدة، تؤمن بأن (الرواية الأردنية) ليست مادة أرشيفية، بل أصل استراتيجي يجب الاستثمار فيه ، رؤية تعتبر أن كل فيلم أردني ناجح، وكل وثائقي محترف، وكل منصة رقمية مؤثرة، وكل صوت إعلامي صادق، هو امتداد لقوة الدولة وهيبتها وحضورها.

بعد خمسةٍ وعشرين عاماً في الإعلام، أستطيع القول بثقة: الأردن لا تنقصه القصة… بل تنقصه ماكينة إنتاج كبرى تليق بهذه القصة ، وفي زمن التأثير، لن يكون الأقوى هو من يملك الحقيقة فقط، بل من يعرف كيف يرويها للعالم.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/13 الساعة 08:12