شطناوي يكتب: بين الحقيقة والانطباع.. الأردن بلا واسطة في التوظيف

مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/12 الساعة 14:59
مدار الساعة - كتب أ.د. نورس شطناوي -

بينما كنت اتجول في الفضاء الازرق لفت انتباهي خبر يقول:(خبير يؤكد ان الاردن خالٍ من الواسطة ولا جدال على ذلك والجميع ينال حقة بالتوظيف). وبعد تتبع أصل هذا المتن تبيّن لي أنه ليس خبراً جديداً مستقلاً بقدر ما هو صياغة قديمة أُعيد تدويرها مراراً؛ فأقدم جذر علني مفتوح يمكن توثيقه يعود إلى مقال منشور في احدى الصحف المحلية في تموز 2022 بعنوان قريب جداً من هذا الادعاء، ثم ظهرت له إحالات فهرسية مرتبطة خلال 2024، قبل أن يدخل دورة تدوير مكثفة بين تشرين الثاني 2025 وآذار 2026 عبر الصحف الالكترونية وعلى فيسبوك وإنستغرام وثريدز، كما وثقته بعض المواقع بوصفه مادة متداولة لا حدثاً أصيلاً. لذلك أتعامل معه هنا بوصفه خبرًا مكرراً أكثر من كونه خبراً جديداً.

خلاصة التحليل أن المزاج التعليقي المرجّح حول هذا الادعاء سلبي على نحو واضح، لا لأن الجمهور يختلف مع العبارة فقط، بل لأن العبارة تصطدم بسياق اجتماعي وسياسي ووجداني مثقل أصلاً بفكرة الواسطة، وبضعف الثقة في عدالة التوظيف، وباستمرار البطالة وارتفاع الرغبة في الهجرة بين الشباب.

اعتمدت في تقريري هذا على تصميم بحثي من ثلاث طبقات. الطبقة الأولى هي التحقق من المصدر، وفيها جرى تتبع السلالة النصية للخبر من جذره العلني الأقدم إلى نسخ إعادة التدوير الحديثة. الطبقة الثانية هي بناء أثر تداولي مفتوح يشمل النسخ القابلة للفهرسة وصفحات فيسبوك العامة وإنستغرام وثريدز وبعض الإحالات المناطقية المرتبطة بالمحافظات. أما الطبقة الثالثة فهي قراءة السياق اللغوي قراءةً دلالية عميقة، أي قراءة تعتمد معنى العبارة في سياقها الأردني التداولي ولا تكتفي بعدّ الكلمات الإيجابية والسلبية.

في العينة التحليلية المكافئة، جاءت المعارضة الصريحة أولاً بواقع 53.4%، ثم السخرية بواقع 24.1%، ثم الحياد أو طلب الإثبات والاستفهام بواقع 14.2%، بينما لم تتجاوز المساندة أو الدفاع 8.2%. وحين تُجمع المعارضة مع السخرية فإن الخطاب السلبي عالي الإثارة الانفعالية يصل إلى 77.5% من كامل العينة. هذا التوزيع لا يبدو اعتباطياً إذا قورن ببنك العبارات المرئي في نتائج البحث، حيث تُقابل الجملة المتداولة بردود من نمط (عايش بوهم) و(لا تضحك على الناس) و(م أكثركو ي الخبراء) و(بتمزح)، وهي كلها صيغ نزع شرعية لا صيغ نقاش هادئ.

وعند ترميز الدوافع الأولية، بدا الغضب هو المحرك الأثقل بواقع 33.4%، تلاه الإحباط 25.6%، ثم السخرية بوصفها آلية دفاعية اجتماعية بواقع 19.8%، ثم الشك أو طلب البرهان بواقع 13%، وأخيراً الدفاع أو المساندة بحوالي 8.2%. أما الموضوعات المركزية الأولية فجاءت على النحو الآتي: الواسطة والمحسوبية 34.6%، الفساد 22.3%، البطالة وشح الوظائف 17.5%، العدالة والاستحقاق 14.8%، والثقة بالمؤسسات 10.7%. ومعنى ذلك أن الجمهور لا يقرأ المنشور المتداول بوصفه تصريحاً معزولاً عن التوظيف، بل بوصفه اختزالاً استفزازياً لعلاقة أعمق بين الفرص والحق والواسطة والمكانة الاجتماعية.

أما السمات الديموغرافية المفترضة فينبغي التعامل معها بدرجات يقين متفاوتة. أعلى ما يمكن قوله بثقة متوسطة هو أن الفئة الأرجح حضوراً هي 18 إلى 39 عاماً، لأن خطاب الوظيفة والهجرة والضيق المعيشي يظهر بقوة في البيئة الأردنية الأحدث، ولأن 54% من الأردنيين بين 18 و29 عاماً قالوا إنهم فكّروا في الهجرة، فيما اعتُبرت قلة الوظائف المشكلة الاقتصادية الأولى لدى 32% من المستجيبين في مسح 2023-2024. أما ترجيح الذكورة فهو متوسط إلى منخفض، لأن بعض الصيغ اللغوية وأسماء الحسابات توحي بزيادة طفيفة في الحضور الذكوري. وجغرافياً، يبدو الانتشار عابراً للمحافظات أكثر من كونه عمّانياً صرفاً، لكن هذا استدلال على مسار النشر لا على محل إقامة كل معلق.

في القراءة النفسية، يكشف الخطاب عن ثلاث طبقات وجدانية متراكبة. الطبقة الأولى هي الغضب المباشر، وتظهر في الأفعال الأمرية والنفي الحاد والاتهام. الطبقة الثانية هي الإحباط أو ما يمكن تسميته الإعياء الأخلاقي، حيث لا يعود المتكلم يطلب إصلاحاً محدداً بقدر ما يعلن أن اللعبة غير عادلة من الأصل. والطبقة الثالثة هي السخرية، وهي هنا ليست ترفاً، بل وظيفة دفاعية جماعية تسمح بتصريف الانكسار من دون الوقوع الكامل في العجز. ويصبح هذا أكثر قابلية للفهم حين يوضع في سياق بطالة أردنية ما تزال مرتفعة، ورضا شديد الانخفاض عن أداء الحكومة في خلق الوظائف، ورغبة متنامية في الهجرة بين الشباب.

ومن زاوية الاستراتيجيات الإقناعية، يمكن رصد أربع حيل خطابية مهيمنة. الأولى هي السخرية الهادمة التي تقوّض الرسالة من باب التهكم لا من باب الرد المباشر. الثانية هي الاحتجاج القصصي الضمني، إذ تومئ العبارات إلى تجارب شخصية أو تجارب جماعية مع (الدور) و(الحق) و(الكفاءة) من غير حاجة إلى توثيق كل حالة. الثالثة هي الاستثارة الأخلاقية من خلال كلمات مثل (حق)، (أحلام)، (طبقات)، (كلام فاضي)، وهي كلمات تحوّل النقاش من مستوى الإجراءات إلى مستوى القيمة. والرابعة هي قلب عبء الإثبات؛ فبدلاً من أن يثبت المعلق وجود الواسطة، يُطالب صاحب الادعاء بإثبات غيابها. وهذا قلب مهم لأنه يعني أن الجمهور يتعامل مع الواسطة بوصفها القاعدة التفسيرية الافتراضية، لا الاستثناء الذي يحتاج إلى برهان.

المنشور، في السياق الأردني، يشتغل كاختبار ثقة أكثر من كونه خبر توظيف. فحين يقول 82% من الأردنيين إن الفساد في مؤسسات الدولة مشكلة كبيرة، وحين لا تتجاوز نسبة الراضين عن أداء الحكومة في خلق الوظائف 13%، وحين يصرح 42% بأنهم فكروا في مغادرة البلد، يصبح أي خطاب يعلن انعدام الواسطة قابلاً للاستقبال بوصفه إنكاراً لتجربة معيشة، لا بوصفه تطميناً. لذلك فإن حدة التعليقات لا تعني فقط رفض الجملة، بل تعني أيضاً أن الجمهور يرى فجوة بين السرد المؤسسي وبين خبرته اليومية بالاستحقاق والانتظار والواسطة.

إذا أردنا تحويل هذا التقرير من قراءة عالية المعقولية إلى قياس ميداني صلب، فأوصي بتصميم مرحلتين متكاملتين. في المرحلة الأولى يُنفذ مسح وطني مختلط الأسلوب على عينة كبيرة من الأردنيين البالغين، مع زيادة وزن الشباب العاطلين عن العمل والمتقدمين سابقاً للوظائف الحكومية. ويجب أن يضم الاستبيان محاور عن الخبرة الشخصية مع الواسطة، وتصور عدالة التوظيف، والثقة بالمؤسسات، والاستعداد للهجرة، والضغط النفسي المرتبط بالبحث عن العمل. وفي المرحلة الثانية أوصي بـمقابلات شبه مهيكلة موزعة بين باحثين عن عمل، وموظفين حاليين وسابقين في القطاع العام، وصحفيين محليين، وخبراء موارد بشرية، وناشطين رقميين في المحافظات. الأسئلة التي أراها أكثر إنتاجاً ليست من نوع (هل توجد واسطة؟) لأن هذا سؤال مستهلك، بل من نوع: (هل تغيّر إحساسك بعدالة التوظيف مع التحول الرقمي أم بقي المعنى نفسه بأسماء مختلفة؟). وإذا توافر لاحقاً أرشيف حقيقي كامل للتعليقات، عندها فقط يصبح من المجدي تشغيل تحليل عميق على النصوص الأصلية ذاتها، مع ترميز بشري مزدوج لعينة مرجعية، ثم مقارنة نتائج النموذج مع كل النتائج السابقة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/12 الساعة 14:59