حدادين يكتب: الأردن في عيون الفاتيكان… حين تشعر أن سمعة وطنك تساوي الدنيا كلها

المحامي الدكتور يزن دخل الله حدادين
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/10 الساعة 20:27
في كل زيارة لي إلى الفاتيكان، كنت أشعر بأنني لا أمثل نفسي فقط، بل أمثل الأردن بكل ما يحمله من تاريخ ورسالة واعتدال. وفي العديد من اللقاءات مع رجال دين وشخصيات مهتمة بالحوار الديني والثقافي، كان اسم الأردن يحضر باحترام كبير، ليس باعتباره دولة في منطقة مضطربة فحسب، بل كنموذج للاستقرار والوحدة الوطنية والتعايش الحقيقي بين المسلمين والمسيحيين. وأكثر ما كان يلفت انتباهي حجم الاهتمام العميق الذي يبديه كثيرون تجاه نهر الأردن وموقع المغطس، ذلك الموقع الذي يحمل رمزية دينية وإنسانية استثنائية لدى المسيحيين في العالم أجمع.

في تلك الحوارات، لم يكن الحديث عن الأردن حديثاً بروتوكولياً أو سياسياً عابراً، بل كان حديثاً يحمل تقديراً حقيقياً للدور الذي يقوم به الأردن بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، سواء في حماية الاعتدال وترسيخ الاستقرار، أو في الدفاع عن قيم العيش المشترك والحفاظ على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس من خلال الوصاية الهاشمية التاريخية. وكان واضحاً أن صورة الأردن في أذهان كثيرين داخل الفاتيكان ترتبط بصورة الدولة الحكيمة المتزنة التي استطاعت أن تحافظ على أمنها واستقرارها ووحدتها الوطنية رغم كل ما يحيط بالمنطقة من أزمات وصراعات.

وفي كل مرة كنت أستمع فيها إلى كلمات الإعجاب والتقدير تجاه الأردن، كنت أشعر بفخر كبير يصعب وصفه، وكأنني أملك الدنيا كلها من شدة اعتزازي بسمعة بلدي ومكانته. فأن تسمع من شخصيات دينية وثقافية عالمية حديثاً بهذا المستوى من الاحترام عن الأردن وعن قيادته وعن شعبه، فهذا يؤكد أن مكانة الأردن الدولية أكبر بكثير مما قد نتصور أحياناً في الداخل. نحن في كثير من الأحيان ننظر إلى أنفسنا من زاوية التحديات الاقتصادية أو الضغوط الإقليمية، لكن العالم يرى في الأردن شيئاً مختلفاً تماماً؛ يرى دولة صاحبة رسالة، ودولة موثوقة، ودولة تمتلك رصيداً أخلاقياً وسياسياً وإنسانياً كبيراً.

لقد نجح جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وعلى مدار سنوات طويلة، في بناء علاقة متينة وعميقة مع الفاتيكان، تقوم على الاحترام المتبادل والحوار والدفاع عن القيم الإنسانية المشتركة. وهذه العلاقة لم تكن مجرد علاقات دبلوماسية تقليدية، بل تحولت إلى مساحة تعاون وتفاهم حول قضايا السلام وحماية المقدسات وتعزيز الحوار بين الأديان. ومن المهم جداً أن ندرك أن ما تحقق في هذا الملف لم يأتِ بالصدفة، بل نتيجة جهد سياسي ودبلوماسي متراكم يستحق أن يتم البناء عليه بصورة مؤسسية ومنهجية.

ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تتطلب وضع منهج واضح للعمل والمتابعة والاستثمار الحقيقي في هذه العلاقة المهمة مع الفاتيكان، ليس فقط على المستوى السياسي، وإنما أيضاً على المستوى السياحي والثقافي والديني. فموقع المغطس تحديداً يمثل فرصة عالمية استثنائية للأردن، لما يحمله من قدسية ورمزية دينية عميقة لدى مئات الملايين من المسيحيين حول العالم، ولما يتمتع به من خصوصية كبيرة داخل الفاتيكان نفسه. إن كثيراً من دول العالم تبني قطاعات سياحية كاملة حول مواقع دينية أو تاريخية أقل أهمية ورمزية، بينما يمتلك الأردن واحداً من أهم المواقع الدينية المسيحية على مستوى العالم.

لذلك، فإن الاستثمار الحقيقي في الترويج لموقع المغطس يجب أن يكون أولوية وطنية، من خلال خطط متكاملة تجمع بين الدبلوماسية والسياحة والثقافة والإعلام. كما يجب تعزيز التواصل مع المؤسسات الدينية والسياحية والثقافية المرتبطة بالفاتيكان، وتنظيم فعاليات ومؤتمرات وبرامج زيارات دينية تسهم في ترسيخ مكانة الأردن كوجهة رئيسية للسياحة الدينية العالمية. كذلك، فإن تطوير البنية السياحية والخدمات المرتبطة بالمغطس والمناطق المحيطة به يشكل عنصراً أساسياً في تحويل هذه الفرصة إلى أثر اقتصادي وثقافي حقيقي.

الأردن يمتلك اليوم رصيداً سياسياً ومعنوياً كبيراً على المستوى الدولي، لكن الأهم هو القدرة على تحويل هذا الرصيد إلى مشاريع واستراتيجيات مستدامة تعزز مكانة الدولة وتخدم اقتصادها وتدعم رسالتها الإنسانية. ومن خلال العلاقة المتميزة مع الفاتيكان، ومن خلال الرمزية الدينية والتاريخية لموقع المغطس، يستطيع الأردن أن يقدم نفسه للعالم ليس فقط كدولة مستقرة وآمنة، بل كأرض للسلام والحوار والتاريخ والإيمان.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/10 الساعة 20:27