الكردي تكتب: حين يعجز الأب.. من يواسي القلب؟

جوان الكردي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/10 الساعة 18:40
ليس هناك ما هو أقسى على قلب الانسان من الشعور بالعجز، فكيف إن كان هذا الإنسان أباً؟

الأب الذي خُلق ليكون السند، الحامي، المعيل، يجد نفسه فجأة عاجزا عن تأمين علاج ابنه، أو تأمين سقف يؤوي أسرته، أو حتى توفير لقمة تسد جوعهم. عندها، لا يكون الألم ماديا أو جسديا فقط، بل يصبح وجعاً داخلياً صامتا ينهش الكرامة قبل الجسد.

في زوايا البيوت البسيطة، هناك رجال لا ينامون من شدة التفكير. يجلس الأب وحيدا، يحدق في الفراغ، يحسب الأيام قبل أن يحسب النقود، يقلب الخيارات فلا يجد إلا طريقاً واحداً.. طريق العجز. راتب بسيط لا يكفي، عمل مرهق لا ينصف، والتزامات تتكاثر وتتكالب عليه كأنها عقاب يومي لا ينتهي.

كيف يمكن لأبٍ أن يشرح لطفله أن عليه أن يؤجل مرضه لأن العلاج والدواء غير متوافرين؟

كيف يبرر لزوجته أن إيجار المنزل لم يُدفع؟

كيف يخفي دموعه حين يطلب منه ابنه شيئا بسيطا، فيكتشف أنه أصبح رفاهية؟

المأساة ليست في الفقر وحده، بل في الشعور بالظلم.. حين يرى هذا الأب أن الفرص لا تمنح للجميع، وأن الأبواب تفتح لوجوه وتغلق في وجهه، ليس لأنه أقل كفاءة، بل لأنه لا يملك واسطة وغير محسوب على أحد. هنا يتحول التعب قهراً، والعمل استنزافاً بلا جدوى.

في مجتمع يُفترض أن يقوم على العدالة والتكافل، يصبح غياب الفرص المتكافئة جريمة صامتة. فليس من العدل أن يُترك الإنسان أسير راتب أو أجر زهيد لا يسد حاجاته، بينما تتكدس الفرص في أيدي قلة. وليس من الإنسانية أن يحاكم الأب أو يعيش في ظروف لم يخترها.

القضية اليوم ليست قصة فرد، بل واقع تجده في بيوت كثيرة.. وما أكثرها. آباء يكافحون بصمت، يبتلعون خيباتهم يوما بعد يوم، ويحاولون رغم كل شيء، أن يبدوا أقوياء أمام أبنائهم.

لكن إلى متى؟

إلى متى يبقى الأب وحده في مواجهة هذا الحمل الثقيل.. يتجرع الخيبات؟

أين السياسات التي تحميه؟ أين العدالة التي تضمن له فرصة عادلة وأجراً يساوي ما يبذله من جهد؟ أين المجتمع الذي يمد له يد العون بدل أن يثقل كاهله بالمقارنات والضغوط؟

نحن نتكلم هنا عن الآباء العاملين.. لم نتطرق إلى الذين هم بلا عمل أو الذين فقدوا أعمالهم لظرف ما خارج إرادتهم ولضعف القوانين والتشريعات التي تحميهم.

هؤلاء.. العاطلون عن العمل والباحثون عنه بدون أن يجدوه.. ربما تصعب الكلمات أو تعجز في توصيف حالهم ومعاناتهم وأوجاعهم.

إنصاف الآباء، العاملين أو الباحثين عن عمل، ليس رفاهية، وإنما ضرورة.. لأن الأسرة التي تهتز بسبب الفقر والعجز والظلم، تنتج مجتمعا هشا، مثقلا بالخذلان.

وحين ينكسر قلب الأب.. لا ينكسر وحده، وإنما ينكسر معه مستقبل كامل..
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/10 الساعة 18:40