قرقودة تكتب: فيروس الهانتا.. هل نحن امام خطر صحي حقيقي؟
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/10 الساعة 16:58
منذ أن أصبح العالم قريةً صغيرة، لم تعد الأخبار تنتقل إلينا بوصفها أحداثًا فقط، بل بوصفها حالات شعورية كاملة؛ خوفٌ جماعي، قلقٌ متراكم، وترقّب يشبه الوقوف الطويل أمام بابٍ مغلق لا أحد يعرف ما الذي يختبئ خلفه. لذلك، كلما ظهر اسم فيروس جديد، لم يعد الناس يسألون عن المرض وحده، بل عن النوايا، عن المصالح، وعن الجهات التي تُمسك بخيوط هذا المشهد المعقّد من خلف الستار.
وحين عاد اسم “فيروس الهانتا” إلى الواجهة، بدا الأمر لكثيرين وكأن العالم يعيد تدوير الخوف ذاته، لكن بملامح مختلفة. فالبشر الذين خرجوا من تجربة كورونا مثقلين بالشكوك، لم يعودوا قادرين على استقبال أي تحذير صحي بعفوية الماضي. لقد تعلّموا أن الحقيقة أحيانًا تختلط بالدعاية، وأن الإعلام قد يحوّل حادثةً صغيرة إلى عاصفة عالمية تُربك حياة الملايين خلال ساعات.
ليس غريبًا أن يتساءل الناس اليوم: هل نحن أمام خطرٍ صحي حقيقي؟ أم أمام موجة جديدة من التهويل تُستخدم لتمرير سياسات أو إعادة ترتيب أولويات العالم؟ فالتاريخ الإنساني يخبرنا أن الأزمات الكبرى لم تكن يومًا مجرد صدفة بريئة، بل كانت غالبًا لحظاتٍ تُعاد فيها صياغة الاقتصاد والسياسة وحتى شكل العلاقات بين البشر. وفي كل مرة، يكون الخوف هو الأداة الأسرع للوصول إلى العقول.
لكن الإنسان المعاصر يعيش مأزقًا أكثر تعقيدًا من المرض نفسه؛ إنه مأزق فقدان الثقة. فبعد سنوات من التناقضات والتصريحات المتضاربة، لم يعد المواطن العادي يعرف أين تبدأ الحقيقة وأين تنتهي المصالح. صار يسمع الخبر الطبي بعينٍ سياسية، ويرى التصريحات العلمية وكأنها جزء من معركة أكبر لا يفهم حدودها كاملة.
وربما لهذا السبب تحديدًا، أصبحت كلمة “فيروس” تحمل وقعًا نفسيًا أشد من وقعها الطبي. فالناس لم يعودوا يخشون الحمى أو العدوى فقط، بل يخشون ما يليها: القيود، الإغلاق، العزلة، والانقلاب المفاجئ في شكل الحياة اليومية. لقد صار الخوف من الإجراءات أحيانًا أكبر من الخوف من المرض ذاته.
ومع ذلك، فإن الحكمة تقتضي ألا يتحول الشك إلى إنكار أعمى. ففيروس الهانتا معروف طبيًا منذ عقود، وليس وليد اللحظة، وقد سُجلت إصابات به في أكثر من دولة حول العالم. غير أن الفرق بين الماضي والحاضر، أن العالم اليوم يعيش داخل ماكينة إعلامية ضخمة قادرة على تضخيم أي حدث حتى يبدو وكأنه نهاية قريبة للبشرية. وهنا يصبح الإنسان محاصرًا بين احتمالين: المبالغة في الخوف، أو المبالغة في التكذيب.
المشكلة الحقيقية أن عصرنا لم يعد يبيع الحقائق فقط، بل يبيع المشاعر المرتبطة بها. فالخوف أصبح اقتصادًا قائمًا بذاته؛ ترتفع نسب المشاهدة بسببه، وتُصنع من خلاله القرارات، وتُعاد عبره هندسة وعي الشعوب. فالإنسان الخائف أكثر قابلية للتوجيه، وأكثر استعدادًا للتخلي عن كثير من تفاصيل حريته مقابل وعدٍ غامض بالأمان.
وفي وسط هذا الضجيج، يضيع السؤال الأهم: هل ما نراه نابع فعلًا من الحرص على الإنسان، أم من الرغبة في إدارة الإنسان؟ فثمة فرق كبير بين حماية المجتمعات، وبين تحويلها إلى كتلٍ مذعورة تنتظر التعليمات دون تفكير. وربما هنا تكمن أخطر أزمات العصر الحديث؛ أن الناس لم يعودوا يخافون المرض وحده، بل يخافون الطريقة التي يُستخدم بها المرض.
لقد أصبح الإنسان يعيش في معركة دائمة بين وعيه وخوفه. فهو يريد أن يصدق العلم، لكنه يخشى أن يكون العلم مُسخّرًا لخدمة النفوذ. ويريد أن يطمئن، لكنه يشعر أن العالم نفسه فقد طمأنينته. لذلك باتت الحقيقة تبدو أحيانًا كأنها شيءٌ هش، يتبدل بتبدل الشاشات والعناوين والسياسات.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي: هل فيروس الهانتا أكذوبة تشبه كورونا؟ بل ربما السؤال الأعمق هو: لماذا أصبح الإنسان في هذا العصر عاجزًا عن الوثوق الكامل بأي شيء؟ وكيف وصل العالم إلى مرحلةٍ صار فيها الخوف أسرع انتشارًا من الفيروسات نفسها؟ فالأوبئة مهما اشتدت تنتهي يومًا، أما الخوف حين يستقر في العقول، فإنه يبقى طويلًا، يتغيّر اسمه فقط… بينما يظل أثره واحدًا.
وحين عاد اسم “فيروس الهانتا” إلى الواجهة، بدا الأمر لكثيرين وكأن العالم يعيد تدوير الخوف ذاته، لكن بملامح مختلفة. فالبشر الذين خرجوا من تجربة كورونا مثقلين بالشكوك، لم يعودوا قادرين على استقبال أي تحذير صحي بعفوية الماضي. لقد تعلّموا أن الحقيقة أحيانًا تختلط بالدعاية، وأن الإعلام قد يحوّل حادثةً صغيرة إلى عاصفة عالمية تُربك حياة الملايين خلال ساعات.
ليس غريبًا أن يتساءل الناس اليوم: هل نحن أمام خطرٍ صحي حقيقي؟ أم أمام موجة جديدة من التهويل تُستخدم لتمرير سياسات أو إعادة ترتيب أولويات العالم؟ فالتاريخ الإنساني يخبرنا أن الأزمات الكبرى لم تكن يومًا مجرد صدفة بريئة، بل كانت غالبًا لحظاتٍ تُعاد فيها صياغة الاقتصاد والسياسة وحتى شكل العلاقات بين البشر. وفي كل مرة، يكون الخوف هو الأداة الأسرع للوصول إلى العقول.
لكن الإنسان المعاصر يعيش مأزقًا أكثر تعقيدًا من المرض نفسه؛ إنه مأزق فقدان الثقة. فبعد سنوات من التناقضات والتصريحات المتضاربة، لم يعد المواطن العادي يعرف أين تبدأ الحقيقة وأين تنتهي المصالح. صار يسمع الخبر الطبي بعينٍ سياسية، ويرى التصريحات العلمية وكأنها جزء من معركة أكبر لا يفهم حدودها كاملة.
وربما لهذا السبب تحديدًا، أصبحت كلمة “فيروس” تحمل وقعًا نفسيًا أشد من وقعها الطبي. فالناس لم يعودوا يخشون الحمى أو العدوى فقط، بل يخشون ما يليها: القيود، الإغلاق، العزلة، والانقلاب المفاجئ في شكل الحياة اليومية. لقد صار الخوف من الإجراءات أحيانًا أكبر من الخوف من المرض ذاته.
ومع ذلك، فإن الحكمة تقتضي ألا يتحول الشك إلى إنكار أعمى. ففيروس الهانتا معروف طبيًا منذ عقود، وليس وليد اللحظة، وقد سُجلت إصابات به في أكثر من دولة حول العالم. غير أن الفرق بين الماضي والحاضر، أن العالم اليوم يعيش داخل ماكينة إعلامية ضخمة قادرة على تضخيم أي حدث حتى يبدو وكأنه نهاية قريبة للبشرية. وهنا يصبح الإنسان محاصرًا بين احتمالين: المبالغة في الخوف، أو المبالغة في التكذيب.
المشكلة الحقيقية أن عصرنا لم يعد يبيع الحقائق فقط، بل يبيع المشاعر المرتبطة بها. فالخوف أصبح اقتصادًا قائمًا بذاته؛ ترتفع نسب المشاهدة بسببه، وتُصنع من خلاله القرارات، وتُعاد عبره هندسة وعي الشعوب. فالإنسان الخائف أكثر قابلية للتوجيه، وأكثر استعدادًا للتخلي عن كثير من تفاصيل حريته مقابل وعدٍ غامض بالأمان.
وفي وسط هذا الضجيج، يضيع السؤال الأهم: هل ما نراه نابع فعلًا من الحرص على الإنسان، أم من الرغبة في إدارة الإنسان؟ فثمة فرق كبير بين حماية المجتمعات، وبين تحويلها إلى كتلٍ مذعورة تنتظر التعليمات دون تفكير. وربما هنا تكمن أخطر أزمات العصر الحديث؛ أن الناس لم يعودوا يخافون المرض وحده، بل يخافون الطريقة التي يُستخدم بها المرض.
لقد أصبح الإنسان يعيش في معركة دائمة بين وعيه وخوفه. فهو يريد أن يصدق العلم، لكنه يخشى أن يكون العلم مُسخّرًا لخدمة النفوذ. ويريد أن يطمئن، لكنه يشعر أن العالم نفسه فقد طمأنينته. لذلك باتت الحقيقة تبدو أحيانًا كأنها شيءٌ هش، يتبدل بتبدل الشاشات والعناوين والسياسات.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي: هل فيروس الهانتا أكذوبة تشبه كورونا؟ بل ربما السؤال الأعمق هو: لماذا أصبح الإنسان في هذا العصر عاجزًا عن الوثوق الكامل بأي شيء؟ وكيف وصل العالم إلى مرحلةٍ صار فيها الخوف أسرع انتشارًا من الفيروسات نفسها؟ فالأوبئة مهما اشتدت تنتهي يومًا، أما الخوف حين يستقر في العقول، فإنه يبقى طويلًا، يتغيّر اسمه فقط… بينما يظل أثره واحدًا.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/10 الساعة 16:58