العمرو يكتب: دستورية استقلال الإعلام بوابة الدولة الحديثة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/09 الساعة 11:11
تحسم الدول الجادة خياراتها الكبرى حين تدرك أن الثقة العامة لا تُدار بالنيات بل بالمؤسسات؛ تنظيم الإعلام يقف اليوم أمام مفترق حاسم؛ إما أن يبقى امتداد إداري للسلطة التنفيذية، أو يتحول إلى هيئة مستقلة تشبه الهيئة المستقلة للانتخاب في بنيتها وضماناتها؛ فالقضية ليست صراع صلاحيات، بل بناء ثقة وطنية في قطاع يصوغ الوعي ويؤثر في الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
تجارب دول الجوار خلال العقدين الماضيين أظهرت اتجاه واضح نحو إنشاء هيئات تنظيم إعلام ذات طابع دستوري، تُنشأ بقوانين خاصة، وتُمنح شخصية اعتبارية واستقلال مالي وإداري كامل وحقيقي؛ في بعض الدول أُدرجت مبادئ استقلال الجهة المنظمة في صلب الدستور، وفي أخرى جرى تحصينها بقوانين عضوية تشترط أغلبية برلمانية معززة لتعديلها؛ الرسالة واحدة؛ الإعلام لا يُنظم بقرار تنفيذي يومي، بل بإطار قانوني ثابت يحمي التعددية ويمنع تضارب المصالح.
الدراسات الحديثة الصادرة عن معهد رويترز لدراسة الصحافة، وتقارير اليونسكو حول مؤشرات تطوير الإعلام، وأبحاث منظمة المادة 19، تؤكد أن استقلال الجهة المنظمة شرط جوهري لسلامة البيئة الإعلامية؛ تلك المراجع تشير بوضوح إلى أن تبعية الهيئة لوزير سياسي تضعف استقلال القرار حتى لو لم يحدث تدخل مباشر، وأن أفضل النماذج هي التي تستند إلى قانون إعلام وطني مستقل ذي طابع دستوري، يفصل الجهة المنظمة عن السلطة التنفيذية، ويجعل رقابتها قضائية لا إدارية؛ كما توصي بأن تكون العلاقة الوحيدة ذات الطبيعة التنفيذية مرتبطة بوزير العدل في حدود تنفيذ العقوبات والجزاءات المنصوص عليها في قانون الإعلام نفسه، باعتبارها أحكاماً قضائية لا قرارات سياسية.
التحول المطلوب يبدأ بإعادة بناء الهيئة على أساس مجلس مفوضين مستقل، لا مدير يرتبط بسلم إداري حكومي؛ بل مجلس مكوّن من رئيس وأعضاء يعينون بآلية دستورية واضحة، ولمدة محددة غير قابلة للتجديد، يضمن تعددية القرار ويمنع تركيز السلطة في يد شخص واحد؛ التجربة المقارنة تثبت أن القرار الجماعي المسجل بمحاضر رسمية هو الحاجز الأول أمام أي تأثير خارجي.
كما أن تحصين الأعضاء قانونياً يمثل الركيزة الثانية؛ فالمفوض لا يجب أن يُعزل إلا في حالات محددة حصراً، وبإجراء قضائي واضح، ولا يُلاحق إلا بإذن قضائي؛ والحصانة هنا ليست امتياز، بل أداة حماية للاستقلال الوظيفي؛ ومن دونها يبقى القرار التنظيمي هشاً أمام الضغوط المباشرة وغير المباشرة.
إن فصل هيئة الاعلام تماماً عن أي سلطة تنفيذية شرط لا يقبل التأويل؛ فلا تنسيب لوزير، ولا قرار ترخيص يصدر عن مجلس وزراء، ولا تعليمات تُفرض من خارج المجلس المستقل؛ السلطة التنفيذية تُحترم في مجالها، لكن تنظيم الإعلام مجال مختلف بطبيعته، لأنه يمس حرية التعبير وتكافؤ الفرص في المجال العام.
فأي تعديل يقل عن هذا المستوى سيُبقي الهيئة هيئة حكومية بثوب تنظيمي؛ تغيير المسميات أو إضافة عبارات عامة عن النزاهة لا يصنع استقلال؛ الاستقلال يولد من بنية قانونية محصنة، ومن مجلس مفوضين مستقل، ومن قطيعة واضحة مع التأثير التنفيذي؛ وعندما يتحقق ذلك فقط، يصبح الإعلام شريك في ترسيخ الدولة الحديثة لا تابع لإيقاع السياسة اليومية؛ ولا لضغوطات او اجندات منظمات او تنظيمات او أحزاب داخلية او خارجية.
تجارب دول الجوار خلال العقدين الماضيين أظهرت اتجاه واضح نحو إنشاء هيئات تنظيم إعلام ذات طابع دستوري، تُنشأ بقوانين خاصة، وتُمنح شخصية اعتبارية واستقلال مالي وإداري كامل وحقيقي؛ في بعض الدول أُدرجت مبادئ استقلال الجهة المنظمة في صلب الدستور، وفي أخرى جرى تحصينها بقوانين عضوية تشترط أغلبية برلمانية معززة لتعديلها؛ الرسالة واحدة؛ الإعلام لا يُنظم بقرار تنفيذي يومي، بل بإطار قانوني ثابت يحمي التعددية ويمنع تضارب المصالح.
الدراسات الحديثة الصادرة عن معهد رويترز لدراسة الصحافة، وتقارير اليونسكو حول مؤشرات تطوير الإعلام، وأبحاث منظمة المادة 19، تؤكد أن استقلال الجهة المنظمة شرط جوهري لسلامة البيئة الإعلامية؛ تلك المراجع تشير بوضوح إلى أن تبعية الهيئة لوزير سياسي تضعف استقلال القرار حتى لو لم يحدث تدخل مباشر، وأن أفضل النماذج هي التي تستند إلى قانون إعلام وطني مستقل ذي طابع دستوري، يفصل الجهة المنظمة عن السلطة التنفيذية، ويجعل رقابتها قضائية لا إدارية؛ كما توصي بأن تكون العلاقة الوحيدة ذات الطبيعة التنفيذية مرتبطة بوزير العدل في حدود تنفيذ العقوبات والجزاءات المنصوص عليها في قانون الإعلام نفسه، باعتبارها أحكاماً قضائية لا قرارات سياسية.
التحول المطلوب يبدأ بإعادة بناء الهيئة على أساس مجلس مفوضين مستقل، لا مدير يرتبط بسلم إداري حكومي؛ بل مجلس مكوّن من رئيس وأعضاء يعينون بآلية دستورية واضحة، ولمدة محددة غير قابلة للتجديد، يضمن تعددية القرار ويمنع تركيز السلطة في يد شخص واحد؛ التجربة المقارنة تثبت أن القرار الجماعي المسجل بمحاضر رسمية هو الحاجز الأول أمام أي تأثير خارجي.
كما أن تحصين الأعضاء قانونياً يمثل الركيزة الثانية؛ فالمفوض لا يجب أن يُعزل إلا في حالات محددة حصراً، وبإجراء قضائي واضح، ولا يُلاحق إلا بإذن قضائي؛ والحصانة هنا ليست امتياز، بل أداة حماية للاستقلال الوظيفي؛ ومن دونها يبقى القرار التنظيمي هشاً أمام الضغوط المباشرة وغير المباشرة.
إن فصل هيئة الاعلام تماماً عن أي سلطة تنفيذية شرط لا يقبل التأويل؛ فلا تنسيب لوزير، ولا قرار ترخيص يصدر عن مجلس وزراء، ولا تعليمات تُفرض من خارج المجلس المستقل؛ السلطة التنفيذية تُحترم في مجالها، لكن تنظيم الإعلام مجال مختلف بطبيعته، لأنه يمس حرية التعبير وتكافؤ الفرص في المجال العام.
فأي تعديل يقل عن هذا المستوى سيُبقي الهيئة هيئة حكومية بثوب تنظيمي؛ تغيير المسميات أو إضافة عبارات عامة عن النزاهة لا يصنع استقلال؛ الاستقلال يولد من بنية قانونية محصنة، ومن مجلس مفوضين مستقل، ومن قطيعة واضحة مع التأثير التنفيذي؛ وعندما يتحقق ذلك فقط، يصبح الإعلام شريك في ترسيخ الدولة الحديثة لا تابع لإيقاع السياسة اليومية؛ ولا لضغوطات او اجندات منظمات او تنظيمات او أحزاب داخلية او خارجية.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/09 الساعة 11:11