زلازل البلاء وثبات الأوفياء

مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/08 الساعة 09:31
الابتلاء شديد وغير محبب للنفس، ولكنه خير، خير كبير؛ ينخل العلاقات فيَثبت اللب وتطير القشور في الهواء. مر على رسول الله ﷺ ابتلاءٌ شديدٌ فـي حادثة الإفك، وابتليتْ أحب الناس إليه عائشة رضي الله عنها، والله قادر على أن يحل القضية بلحظة وأن ينزل القرآن مباشرة فيبين الحقيقة، وينهي الأمر.. ولكن لله حكمة؛ فقد استمر الألم والابتلاء شهرًا على رسول الله ﷺ وزوجه وعلى أفضل بيوت الأرض؛ بيت الرسول ﷺ وبيت أبي بكر رضي الله عنه.. لحظة الحزن مهلكة ومتعبة، ويوم الابتلاء طويل وشديد، فكيف إن كان البلاء ثلاثين يومًا، وفي قضية تهد النفس، وتفتت القلب؟! نحن لا نستطيع أنْ نستوعب عظم هذا البلاء لأننا نعرف نهايته ونتيجته، ولو استشعرناه وعشناه معهم لحظة لحظة لأدركنا عظم المصيبة ولما استطاعت قلوبنا التحمل والصبر.. وبعدما تأخر الوحي، ونزل بالفرج والبشرى، بدأ ببيان أن هذا الابتلاءَ والتأخرَ في كشفه خيرٌ، فقال الله: {لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}.. سبحان الله، مهما بحثنا فلن نستطيع أن نلم بالخير كله الذي بشرهم الله به، ولكن من أبرز الخير في هذه القضية تكشف الناس ومعرفة حقائقهم، ومن يثبت، ومن يهلك.. فمن أعظم نعم الله على عبده أن يرزقه الحكمة، والحكمة تنمو في المواقف الصعبة، وفي كل مرة يمر ابتلاء يُحدث زلزالًا فتتساقط العلاقات الهشة المتهالكة، وتُخرج القلوب أثقالها، فلا تستطيع أن تخفي ما فيها.. نعمة كبيرة أن تعرف من حولك، وحقيقة المعرفة لا تتم إلا بامتحان، مهما كانت درجته، فمنهم من يخفق بأيسر امتحان ومنهم من يخفق بالامتحان الشديد، ومنهم أهل الثبات الذين لا تزيدهم المواقف إلا نجاحًا وثباتًا.. شيء مرهق أن تحمل معك إلى آخر عمرك هذا العدد الكثير من الأصدقاء، ومن رحمة الله أن تأتي هزة كل فترة خفيفة أو شديدة تُسقط عددا منهم، حتى تصل إلى سنوات الحكمة وعمر الراحة بمن يستحق أن تقضي آخر عمرك معهم، وتختم حياتك بهم، أخوة جميلة نقية طاهرة، سعادة الروح، وبهجة الحياة، فتكون ختام الحياة بمسك الأصدقاء.. الابتلاء شديد وغير محبب للنفس، ولكنه خير، خير كبير؛ ينخل العلاقات فيَثبت اللب وتطير القشور في الهواء.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/08 الساعة 09:31