العتوم يكتب: الاستقلال منارة المئوية الثانية

د. حسام العتوم
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/06 الساعة 14:04
استقلال المملكة الأردنية الهاشمية – الوطن الأردني الغالي ، مرتبط ارتباطا وثيقا بثورة العرب الكبرى التي قادها بنو هاشم ، وقاد حراكها شريف العرب و ملكهم ، الحسين بن علي ، طيب الله ثراه ، مفجر الثورة عام 1916، وحامل هدف وحدة بلاد الشام ، و بلاد العرب ، و تأسيس إمارة شرق الأردن بقيادة الأمير عبد الله الأول وسط ظروف سياسية ، و اقتصادية صعبة ، تبعت نهاية الحرب العالمية الأولى 1914 – 1918 . كتب دولة عبد الرؤوف الروابدة في كتابه ( هكذا أفكر – اراء و موقف . ص . 15 " لقد بنيت الدولة الأردنية الحديثة على فكرة و دور ، و علينا دائما أن نعي هذه الفكرة و أن نفهم ذلك الدور فيبقى الأردن مستودع الثورة العربية الكبرى وحامل لواء مشروعها النهضوي و رسول الوفاق و الاتفاق " . وكتب دولته في صفحة 17 " يقال أن الرسول صلى الله عليه و سلم استظل في رحلته إلى الشام بظل شجرة مازالت قائمة حتى اليوم قرب منطقة الصفاوي بمحافظة المفرق " .

يسجل للأمير المؤسس عبد الله الأول رحمه الله رفضه لوعد بلفور ، و استثناء الأردن منه عام 1921 ، واصدراه للقانون الأساسي لتنظيم السلطات ( التنفيذية ، و التشريعية ، و القضائية ) ، و اجراء أول انتخبات تشريعية في البلاد . وكانت الحكومات في عهد سموه قومية الطابع – عروبية ،و أصبح أول ملك عام 1946 ،و تحولت الإمارة في عهده إلى مملكة . وشكل زمنه المدماك الأول على طريق بناء المئوية الأولى للدولة الأردنية ، واستمرارها للعبور إلى المئوية الثانية بصمود و اقتدار . و اغتيل الأمير عبد الله الأول / الملك ، الشهيد ، عام 1951 في ظروف غامضة .

وعرف عهد الملك طلال رحمه الله ببناء دستور الأردن ، الذي تميز ، و حتى الان بأنه الأكثر حكمة ، و عدالة ، وقدرة على الفصل بين السلطات الثلاث ، و الأكثر عصرنة ، و حضارة ، و انصافا لحقوق المواطنين الأردنيين ، و بترسيخه لنظام الدولة ، القادر على الدفاع عن الوطن ،و بناء علاقات دولية متوازنة . تقول مادة الدستور رقم 6 ( الأردنيون أمام القانون سواء ، لا تمييز بينهم في الحقوق و الواجبات و ان اختلفو في اللغة أو الواجبات أو الدين ) . وهي مادة قانونية معبرة ، ومنصفة للأجيال المتتابعة داخل الوطن . وشهدت معركة عام 1948، تسجيل انتصار أردني بالمحافظة على الضفة الغربية .

ولقد امتد عهد مليكنا الراحل العظيم الحسين بن طلال طيب الله ثراه بين الأعوام 1953 و 1999 ، وهو الملك الباني ، والحكيم ، الذي ذاع صيته الطيب ، و سمعته العطرة في أصقاع العالم . ولعل من أكثر خطوات الحسين شجاعة تلك التي تمثلت في تعريب قيادة الجيش العربي – القوات المسلحة الأردنية الباسلة عام 1956 بعد طرد - كلوب باشا - الإنجليزي وكافة أعوانه ، و استبداله بالقائد العسكري الأردني اللواء علي أبو نوار، وغيره من الضباط الأردنيين. وهي الخطوة التي عبدت الطريق لانتصار أردني ، و عربي إلى الأمام عامي 1968 و 1973 ، و لتطوير جيشنا العربي – الأردني ، و ليصبح من أقوى جيوش العرب و المنطقة ، و أكثرها تنظيما . وكل ما تعلق بحرب عام 1967 ، عكس قرارا عربيا قوميا ، هدف لتحرير فلسطين التاريخية ، لكنه افتقر للوحدة العربية الحقيقية الكافية ، و للسلاح العربي الحديث المطلوب وقتها ، وتمسك فقط بالشعار العروبي " ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة " ، ولم يملك الأردن الرسمي حينها قرار عدم المشاركة فيها من زاوية قومية . وفي المقابل عارض وصفي التل – الشهيد لاحقا دخول الأردن لمعركة حزيران ، مسجلا مقولته الشهيرة " لا نريد أن نخسر أكثر من البشر " . لذلك ، فإن قرار المعركة و الخسارة كان قوميا بإمتياز في وقت تعاون فيها الاحتلال الإسرائيلي مع حلف ( الناتو ) بقيادة أمريكا ، وقدم حنكة الاستخبار إلى جانب استخدام السلاح الحديث ، الذي لم يتوفر لدى العرب.

واستفاد الأردن – المملكة الأردنية الهاشمية من تجربة حزيران المؤسفة عبر تحصين قواته المسلحة ، و استخباراته ، وجهز قوته ، وبما ملكت أنذاك من سلاح مدفعي ليوم التصدي لمعركة " الكرامة " عام 1968 . و لم يملك الأردن وقتها خيارا غير النصر الأكيد ، وكان الحسين الملك الراحل يتابع حدث المعركة عن كثب ، و بدقة ، و أبلى قائد الجيش العربي – الأردني الميداني البطل - مشهور حديثة الجازي - رحمه الله بلاء حسنا فيها ، و أصر على تحقيق النصر الكامل ، و اخراج أخر جندي إسرائيلي من أرض المعركة ، وكان له ذلك ، و بأقتدار كبير . و تمكن من تحقيق نصر مميز للأردن بإسم العرب ، دخل التاريخ من أوسع أبوابه ، ولقن الصهاينة درسا قاسيا لن ينسوه أبدا . وقدم الأردن وقتها إلى جانب اخوتنا الفلسطينيين ثلة من الشهداء الأبرار تعدادهم 175 شهيدا ، منهم 74 شهيدا عسكريا أردنيا ، و74 شهيدا من ( فتح )، و 27 شهيدا من (الشعبية) . ( كتاب " الكرامة – اللواء محمود الناطور- ص 328-334 ) .

و النصر الكبير في الكرامة يسجل بوضوح لقواتنا المسلحة الأردنية ،و سلاح مدفعيتها ، و استخباراتها التي شارك فيها العميد المرحوم محمد الروسان بشجاعة و ذكاء خارق .

و الهدف موقعي قصة بطولية فريدة للضابط الأردني الشهيد الشجاع خضر دنكجيان وسط أرض المعركة السمراء الملتهبة . و تركز الدور الفدائي البطولي على المشاركة بالسلاح الأبيض ، لذلك نلاحظ بأن عدد شهدائهم أكثر من شهداء جيشنا الأردني المدجج بالسلاح ، و الرابض في الخنادق وقتها .

وشكلت معركة الكرامة لوحة فنية بطولية جسدت التلاحم الأردني – الفلسطيني الذي لازال مطلوبا ،إلى جانب وحدة العرب الحقيقية المطلوبة أيضا لمواجهة التهجير الناعم و القسري للفلسطينيين الأشقاء ، أصحاب فلسطين ، وتاريخها . و للتصدي معا لمشروع إسرائيل الكبرى ، الذي ندعوا له أن يبقى سرابيا ، و أن تتفكك إسرائيل الاستعمارية نفسها ، و ترحل مع يهودها من منطقتنا العربية ، و الشرق أوسطية ، في المقابل ، بعدما عاثت خرابا و فسادا فيها ، يرتقي لدرجة الجريمة المنظمة . وشخصيا أعتبر مرحلة أيلول الأسود المؤسفة في سبعينيات القرن الماضي ، مؤامرة إسرائيلة بالكامل لن تتكرر أبدا . ووحدة الصف الداخلي خط أحمر و مطلوبة دائما . و الشهيد وصفي رحمه الله دخل الخلود ،وذاكرته باقية عطرة مدى الدهر .

وفي حرب تشرين الجولانية عام 1973 شاركت الفرقة أربعون بقيادة اللواء هجهوج المجالي إلى جانب الجيوش العربية ، و تم تحرير مساحات واسعة من الجولان – الهضبة العربية السورية ، الواجب أن تعود لعرينها العربي بقوة السلاح ، أو بقوة السلام ، أجلا أم عاجلا .

ولم يقبل الأردن بالسلام مع إسرائيل عام 1994، إلا عندما قبلت به مصر عام 1979 ، و فلسطين عام 1993 . و يسجل لجلالة الملك عبد الله الثاني حفظه الله حرصه الكبير على تحرير إقليمي ( الباقورة و الغمر ) عام 2019 من فكي معاهدة السلام ، الملقبة بمعاهدة وادي عربة ذات الوقت. ويهدف الأردن من المعاهدة دوما للمحافظة على حدوده البرية ، و المائية مع إسرائيل ، وفقا لأحكام القانون الدولي ، وعلى سيادته التي قوننتها الأمم المتحدة .

و جلالة الملك عبد الله الثاني ، هو المعزز للبناء الأردني الوطني ، و الضامن لعبور المملكة الأردنية الهاشمية للمئوية الثانية بإقتدار كبير عبر التطوير الحكومي ، و التكنولوجي ، وكل ما يشمل القطاعين العام و الخاص ، و بحث دائم عن فرص عمل للشباب من الجنسين . ومشاريع تحديثية جديدة مثل سكة العقبة الحديدية بالتعاون مع دولة الإمارات الشقيقة بتكلفة تفوق ملياري دولار ، عمل ، و جهد وطني و قومي مشكور . و أكثر من 4 الاف مدرسة حكومية ، و أكثر من 3 الاف مدرسة خاصة ، و 33 الف جامعة ، منها 10 جامعات حكومية ، 19 جامعة خاصة في الأردن اليوم. و أكثرمن 8 الاف كليومتر من الطرق المعبدة أيضا .

وأصبح الأردن متحفا حضاريا فوق بقعة من الأرض تفوق 89 الف كلم2 ، حيث ( البتراء ، و البحر الأحمر ، ووادي رم ، و البحر الميت ، و المغطس ، و أثار جرش ، و أثار أم قيس ، و الحمة في الوسط و الشمال ، و القصور الصحراوية ) ، وتعداد سكاني يراوح 12 مليون نسمة ، و يشكل ذات الوقت صدارة عربية ، و عمق عربي واسع ، هو الثاني مساحة بعد روسيا الاتحادية ، و بتعداد سكاني عربي تجاوز 500 مليون نسمة . و الاستفادة من المقترح العلمي الروسي ببناء مفاعل نووي سلمي أردني في المنطقة الدولية وسط البحر الأحمر أمر ممكن . و يتمتع الأردن بعلاقات دولية واسعة تغطي خارطة الأرض ، و يوازن بين مسار احادية القطب ، و مسار تعددية الأقطاب . ويمسك الأردن عصا الحرب الباردة بين الغرب و الشرق من الوسط .

لقد تميز عهد جلالة الملك عبد الله الثاني بإطلاق رسالة عمان عام 2004 ، الداعية للتسامح ، و الوحدة ، في العالم الإسلامي .وهي عالمية الطابع ،وجسر مع كافة الأديان السماوية السمحة ، و انفتاح . كما تميز بوضع الأوراق النقاشية الملكية السبع على طاولة الحوار الوطني الأردني ، وفوق هضاب عمان ، وهي التي انطلقت في الأعوام 2012 و 2017 ، و هدفت لترسيخ الديمقراطية كأسلوب حياة للأردنيين ، و لدعم المواطنة الفاعلة ، و الهوية الوطنية الأردنية الجامعة ، و لتحفيز النشاط الاجتماعي ، و الاقتصادي ، و السياسي ، وصولا للقرار المجتمعي ، و لأنجاح التنمية الشاملة .

نبقى في الأردن نتطلع للجديد في المئوية الثانية ، الذي يناسب زيادة عدد السكان الطردي ، عبر تطوير شبكة المواصلات ، و احداث نقلة نوعية وسطها تجاه بناء سكك الحديد القادرة على ربط المدن الأردنية ببعضها البعض ، خاصة بين العاصمة عمان الجميلة مع العقبة – الثغر الباسم ، مرورا بالمدن الأردنية الشامخة مثل ( الكرك ، و الشوبك ، الطفيلة ، و ، و معان ، وعبر وادي رم ) . وربط السكك الحديدية بمدن الشمال الشامخة أيضا ( جرش ، و اربد ، و الرمثا ) ، و عمان و الزرقاء . و لتطوير البنية التحتية الطبية ، و توسيع البنيان الصناعي ليعم مدن المملكة . و لأحداث نقلة نوعية في الاتصال الحكومي ليتحول إلى إعلام دولة ووطن ، و لتصبح وزارة الاتصال الحكومي ، وزارة للإعلام و التوجيه الوطني ، وتكون خالية من مجالس الأدارات المتعددة . و للحديث بقية .
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/06 الساعة 14:04