عريفج يكتب: بقيمة المخالفات أصلحوا شوارع عمّان

المحامي هيثم عريفج
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/03 الساعة 12:54
شهدت عمّان الشهر الماضي زيادة كبيره في تركيب كاميرات الرقابة المرورية في عدد من الشوارع والمناطق الحيوية، في خطوة من المتوقع أن تحسن الاداء في ضبط المخالفات وتنظيم حركة السير، وأن تؤدي في الوقت ذاته إلى زيادة واضحة في حجم الغرامات المالية التي سيتم تحصيلها من السائقين .

ولا خلاف على أن ضبط المخالفات المرورية وتنظيم السير أمران ضروريان ومطلوبان. فهما يساهمان في الحد من الازدحامات، وتخفيف الضغط على الشوارع، وتحسين سلوك القيادة، وتعزيز احترام القانون في الفضاء العام. فالمدينة التي يغيب عنها الانضباط المروري تتحول تدريجياً إلى حالة من الفوضى اليومية، يدفع المواطن ثمنها من وقته وراحته وسلامته.

لكن السؤال الأهم الذي يطرحه المواطن اليوم هو: إلى أين ستذهب الغرامات التي سيتم تحصيلها ؟

وهل سيلمس المواطن أن ما يدفعه من غرامات يعود إليه في صورة خدمة عامة أفضل؟

إن التوسع في

فرض مخالفات سيؤدي، بطبيعة الحال، إلى تحصيل مبالغ مالية طائلة. وهذا الأمر من المتوقع أن يثير احتجاجات واعتراضات واسعة بين السائقين، خاصة في ظل شعور كثير من المواطنين بأن الغرامات تتحول إلى عبء مالي إضافي، دون أن يقابلها تحسن ملموس في واقع الطرق والشوارع.

فالمواطن لا يعارض تنظيم السير، ولا يعارض تطبيق القانون، ولا يطلب الفوضى في الشوارع. لكنه يرفض أن يدفع المخالفات بينما يبقى الطريق محفراً، والمطبات عشوائية، وتصريف المياه ضعيفاً، والشوارع تغرق مع اي مطر .

ومن حيث المبدأ، يجب ألا تُفهم المخالفات المرورية باعتبارها مجرد مصدر إيراد أو أداة جباية، بل ينبغي أن ترتبط بفلسفة واضحة تقوم على العدالة والخدمة العامة. فالفكر الديمقراطي الاجتماعي يؤكد أن المال العام يجب أن يعود إلى الناس في صورة خدمات عادلة وملموسة، وأن المواطن حين يدفع للدولة أو للبلديات، يجب أن يرى أثر ذلك في الشارع، والرصيف، والإنارة، والسلامة العامة.

لذلك، فإن من المنطقي والعادل أن تُخصص مبالغ المخالفات المرورية، أو جزء واضح ومعلن منها، لتحسين البنية التحتية المرورية في عمّان، وعلى رأسها إصلاح الشوارع والطرقات، ومعالجة سوء التعبيد، وإزالة المطبات العشوائية، وصيانة الحفر، وتحسين تصريف مياه الأمطار، وتطوير الأرصفة والإنارة والإشارات المرورية وممرات المشاة.

ليس مقبولاً أن يُطلب من المواطن الالتزام الكامل بقواعد السير، في الوقت الذي يواجه فيه شوارع متهالكة، وحفراً مفاجئة، ومطبات غير مدروسة، وطرقاً تغرق مع أول منخفض جوي بسبب ضعف شبكات تصريف المياه. فالعدالة لا تكتمل بتحرير المخالفة وحدها، بل تكتمل عندما يكون الطريق نفسه آمناً ومنظماً وصالحاً للاستخدام.

كما أن تحسين الشوارع ليس ترفاً خدمياً، بل هو جزء أصيل من العدالة الاجتماعية. فالطريق السيئ يكلّف المواطن أموالاً إضافية في صيانة مركبته، ويزيد من استهلاك الوقود، ويطيل وقت التنقل، ويرفع احتمالات الحوادث، ويؤثر بصورة أكبر على أصحاب الدخل المحدود الذين لا يملكون القدرة على تحمل تكاليف الأعطال المتكررة.

إن إصلاح الطرق ليس مجرد عمل هندسي أو بلدي، بل هو سياسة اجتماعية عادلة، تمس حياة الناس اليومية، وتحمي دخولهم، وتحسن نوعية حياتهم، وتعزز ثقتهم بالمؤسسات العامة.

إن المطلوب من أمانة عمّان أن تعلن بشفافية عن حجم الإيرادات المتأتية من المخالفات المرورية، وأن تضع خطة واضحة ومعلنة لتوجيه هذه الأموال إلى مشاريع مرورية وخدمية محددة داخل العاصمة. ويمكن أن يشمل ذلك إنشاء صندوق خاص لصيانة الطرق والسلامة المرورية، تُنشر تقاريره بشكل دوري، بحيث يعرف المواطن كم جُمع، وأين صُرف، وما هي الشوارع التي أُصلحت، وما هي الأولويات القادمة.

كما أن إشراك المواطنين في تحديد أولويات الصيانة، عبر منصات إلكترونية أو شكاوى موثقة أو خرائط تفاعلية للمناطق الأكثر تضرراً، من شأنه أن يعزز الثقة بين المواطن والأمانة، وأن يحوّل العلاقة من علاقة غرامة وعقوبة إلى علاقة شراكة ومسؤولية متبادلة.

نعم، نريد ضبط المخالفات، ونريد تنظيماً حقيقياً للسير، ونريد شوارع أكثر أماناً وانضباطاً. لكننا في الوقت ذاته نريد أن يشعر المواطن أن المال الذي يدفعه يعود إليه في خدمة أفضل، وطريق أصلح، ومدينة أكثر عدالة وتنظيماً.

إلى أمانة عمّان: خالفوا من يخالف القانون، هذا حق وواجب. لكن بقيمة هذه المخالفات، أصلحوا شوارع عمّان، ونظّموا مساربها، وسهّلوا على السائقين القيادة، وارحموا مركبات المواطنين من المطبات والحفر.

فالعاصمة لا تحتاج إلى كاميرات ورقابة وغرامات فقط، بل تحتاج أيضاً إلى طرق آمنة، وبنية تحتية عادلة، وإدارة تؤمن بأن المال العام يجب أن يعود بالنفع على المواطنين، لا أن يتحول في نظرهم إلى عبء أو عقاب.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/03 الساعة 12:54