القرالة يكتب: مؤشر بلا حياد.. وليس 'بلا حدود'

رشدي القرالة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/03 الساعة 07:18
لم يعد مؤشر التصنيف العالمي لحرية الصحافة يعكس واقع حرية الإعلام، ظهر ذلك جليا في المؤشر الأخير حيث أصبح نموذجا يكرّس تناقضا صارخا بين ما يدّعي قياسه وبين النتائج التي يخرج بها، فبدل أن يكون أداة دقيقة لرصد الانتهاكات ضد الصحفيين، يظهر المؤشر وكأنه يعيد ترتيب الواقع وفق معايير لا تتوافق مع حجم القمع الفعلي على الأرض.

أبرز مظاهر هذا الخلل يظهر في تصنيف إسرائيل، التي تحتل مراتب متقدمة رغم سجل موثق من الانتهاكات الخطيرة ضد الصحفيين، بما في ذلك القتل المباشر خلال تغطية الأحداث، ومنع التغطية الإعلامية المستقلة في مناطق النزاع، وفرض قيود أمنية ورقابية واسعة تحد من عمل الصحافة، ورغم وضوح هذه الوقائع وتكرارها، لا ينعكس أثرها بشكل يتناسب مع خطورتها في ترتيب المؤشر، ما يكشف خللا جوهريا في طريقة التقييم.

هذا التناقض لا يمكن تفسيره باعتباره خطأً عابرا، إنما يعكس مشكلة أعمق تتعلق ببنية المؤشر نفسه، فالمعايير المستخدمة لا تمنح الانتهاكات الجسيمة وزنها الحقيقي، ولا تجعل من سلامة الصحفيين معيارا حاسما في الترتيب، بينما تدمجها ضمن حسابات أوسع تقلل من أثرها الفعلي، وبهذا تتحول نتائج المؤشر إلى أرقام لا تعكس الواقع، وتعيد تشكيله بصورة انتقائية.

واعتماد المؤشر على استبيانات وتقييمات خبراء يفتح الباب أمام تفاوتات كبيرة في الحكم، ويجعل النتائج عرضة للانحراف عن الواقع الميداني، فبدل أن يكون القياس قائما على وقائع مباشرة وواضحة، يصبح خاضعا لتقديرات بشرية غير موحدة، ما يؤدي إلى نتائج غير متسقة بين الدول.

النتيجة النهائية لهذا النهج هي فقدان الثقة بالمؤشر كمرجع عالمي محايد، فعندما تُصنّف إسرائيل ذات السجل الحافل بالانتهاكات ضد الصحفيين في مراتب متقدمة، بينما تُوضع دول أخرى أقل سجلا وأخرى لا سجل لها بالانتهاكات ضد الصحفيين في مراتب متأخرة، فإن ذلك يكشف خللا في المنهجية نفسها.

استمرار هذا النموذج من التقييم يفرغ مفهوم “حرية الصحافة” من مضمونه الحقيقي، ويحوّله إلى تصنيف شكلي لا يرتبط بالواقع.

الخطورة في استمرار هذا النموذج هي ترسيخ صورة مشوّهة لدى الرأي العام العالمي عن واقع حرية الصحافة في الدول، فعندما تُقدَّم نتائج بعيدة عن الواقع الميداني، يتحول المؤشر من أداة لقياس الحقيقة إلى أداة لتشكيلها في أذهان الجمهور، لذلك، فإن التعامل مع هذه المؤشرات يجب أن يكون كقراءات قابلة للنقاش والمراجعة وليس نهائية فوعي الجمهور بحدود هذه التصنيفات وبطبيعة منهجيتها هو الخطوة الأولى لتفكيك أي انحياز محتمل، وإعادة وضع الواقع الإعلامي في إطاره الحقيقي بعيدا عن الأرقام المجردة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/03 الساعة 07:18