صوت غائب: المثقف العربي وتحديات اللحظة المصيرية

الدكتور زياد أبو لبن
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/02 الساعة 10:47
لطالما كان المثقف العربي لاعبًا رئيسيًا في تشكيل الوعي الجمعي للأمة، ورافعة من روافع النضال في مواجهة الاستعمار والجهل والاستبداد، فقد اتخذ المثقف في مراحل تاريخية سابقة دورًا تنويريًا رائدًا، حيث انخرط بقوة في الدفاع عن القضايا المصيرية، وساهم في تشكيل الحركات الوطنية، وكان جزءًا من النسيج الثقافي الذي يربط بين المعرفة والالتزام السياسي والأخلاقي، غير أن المشهد اليوم يبدو مختلفًا إلى حد بعيد، فمع تصاعد الأزمات الكبرى في العالم العربي، من الحرب في غزة وما يرافقها من إبادة وصمت دولي، إلى النزاعات المدمرة في السودان وسوريا واليمن وليبيا ولبنان والعراق، نجد المثقف العربي وقد انسحب إلى الخلف، إما صامتًا أو عاجزًا أو غارقًا في دوائر التبرير واللاجدوى، وكأن القضايا الكبرى لم تعد تستحق صوته أو موقفه.

هذا التراجع المريب يثير تساؤلات جوهرية حول التحول الذي طرأ على دور المثقف العربي، ولماذا بات عاجزًا إلى هذا الحد في لحظات مصيرية كان يُفترض أن يكون فيها في طليعة المدافعين عن الكرامة والحرية والحق، أحد أبرز أسباب هذا العجز يعود إلى تراجع الحريات في معظم الدول العربية، حيث تحوّل الفضاء العام إلى حقل ألغام، والمثقف الذي يخرج عن الخطوط المرسومة سرعان ما يُقابل بالإقصاء أو السجن أو التشويه.

في ظل هذا المناخ القمعي، نشأت رقابة ذاتية عميقة داخل النخب الثقافية، أدت إلى تحييد الصوت النقدي، وتهميش دور المثقف المستقل لصالح خطاب رسمي، مفرغ من الجرأة والصدق، وفي الوقت ذاته، ساهم غياب المؤسسات الثقافية الحرة والفاعلة، وتحولها إلى أدوات تابعة للسلطة أو منابر شكلية، في تعميق عزلة المثقف، ودفعه إلى الانكفاء والانشغال بقضايا هامشية أو تجريدية بعيدة عن واقع الناس، كما أن انهيار المرجعيات الفكرية الكبرى، التي كانت توفر للمثقف أرضية أيديولوجية صلبة، لعب دورًا حاسمًا في تفكك الموقف الثقافي العربي، فقد أفلتت المشاريع القومية، وتراجع اليسار، وانكشفت تناقضات الإسلام السياسي، دون أن تظهر مشاريع بديلة قادرة على تعبئة الوعي وتوجيه الفعل الثقافي، وهذا ما جعل كثيرًا من المثقفين في حالة تيه أيديولوجي، لا يعرفون بأي اتجاه يسيرون، أو ما الذي يجب الدفاع عنه أصلًا، وفي موازاة ذلك، جاءت ثورة التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي لتقلب موازين التأثير الثقافي، حيث لم يعد المثقف يحتكر الخطاب العام، بل بات صوته يضيع وسط ضجيج المؤثرين ونجوم المنصات، الذين يقدمون محتوى سريعًا ومبسطًا ومربحًا، لكنه في الأغلب مفرغ من المعنى أو المسؤولية.

في هذا الواقع المأزوم، أصبح المثقف يعاني من عزلة مزدوجة: عزلة عن السلطة التي تضيق به، وعزلة عن الجمهور الذي بات يتجه إلى مصادر أخرى للمعرفة أو الترفيه، ومع اشتداد الأزمات وتعقيدها، أصيب كثير من المثقفين بالإرهاق أو اليأس، وانهارت لديهم الثقة في جدوى الكلمة، بعدما رأوا أن الصراخ لا يوقف القصف، ولا يمنع التشريد، ولا يغير المعادلات الدولية، ومع ذلك، فإن القول بانتهاء دور المثقف هو استسلام لفكرة خطيرة؛ لأن المجتمعات التي تفقد صوتها العاقل تُترك فريسة للفوضى أو الاستبداد أو الغيبوبة الجماعية.

المطلوب اليوم ليس عودة شكلية للمثقف إلى الواجهة، بل إعادة تعريف دوره في ظل التغيرات العميقة التي يشهدها العالم العربي، وهذا يقتضي من المثقف أن يتحرر من الخوف، ومن الأوهام، ومن التبعية، وأن ينخرط مجددًا في قضايا الناس، لا عبر الخطابة، بل من خلال خطاب نقدي جذري، مستقل، ملتزم، ومتجدد، يعيد للثقافة دورها كمجال للمقاومة والتغيير، لا كترف نخبة منعزلة. المثقف مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى أن يكون في قلب المعركة، لا على هامشها، وأن يستعيد مكانته كضمير حي للأمة، لا كمجرد مراقب صامت أو مبرر للانكسار.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/02 الساعة 10:47