الكردي تكتب: العمال في يومهم.. ماذا يريدون؟

جوان الكردي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/04/30 الساعة 20:15
في كل عام يأتي يوم العمال ( أو عيد العمال كما يحلو لبعض الجهات أن تسميه) محمّلا بالشعارات والكلمات الكبيرة التي تتحدث عن تقدير الجهود واحترام الكرامة الإنسانية.

لكن في خضم هذا الاحتفاء يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه بقوة: ماذا يريد العامل فعلا؟ هل تكفي عبارات الشكر والتقدير والإشادة؟ أم أن هناك مطالب غاية في البساطة والواقعية واقعية ما تزال تبحث عن إجابة؟

العامل لا يبحث عن المستحيل، ولا يطلب امتيازات خارجة عن المنطق. كل ما يريده هو حياة كريمة، أجراً عادلا يكفيه وأسرته، وبيئة عمل تحفظ صحته وكرامته. يريد أن يشعر أن تعبه اليومي ليس مجرد رقم متدنٍ في كشف الرواتب لا يغني ولا يسمن من جوع، وأن يشعر عمليا بأنه يمثل قيمة حقيقية يعترف بها المجتمع والدولة عبر إجراءات واقعية تشريعية وسياسية.

أول ما يطلبه العامل هو الأمان الوظيفي؛ وهو يتكىء إلى ثلاثة عناصر رئيسة؛ أجر عادل يساوي ما يبذله من جهد، أيا كانت طبيعة العمل، ويمكنه في ذات الوقت من تأمين احتياجاته وأسرته..

موضوع الأجور هو من أكثر القضايا حساسية. فكيف يمكن لعامل أن يؤدي عمله بإخلاص وهو يشعر أن ما يتلقاه من أجر لا يتناسب مع ما يقدمه من جهد ولا يكفي لتلبية احتياجاته الأساسية؟ ارتفاع الأسعار والتضخم يقابله ثبات أو ندرة أو تباطؤ في زيادة الرواتب، ما يجعل الفجوة تكبر يوما بعد يوم. العامل لا يريد الثراء، بل يريد راتبا يحفظ كرامته.

وثانيها تأمينات اجتماعية، على رأسها الضمان الاجتماعي الذي يوفر له راتبا تقاعديا كافيا، والتأمين الصحي المناسب له ولأفراد أسرته.

والعنصر الأخير هو نزع الخوف من فقدان العمل الذي أصبح هاجساً يومياً لدى كثيرين، وبخاصة في ظل ظروف اقتصادية صعبة وتقلبات لا ترحم. العامل يريد ان يذهب إلى عمله وهو مطمئن، لا أن يعيش قلقا دائما من قرار مفاجىء قد يغير حياته بين عشيةٍ وضحاها.

ولا يمكن تجاهل بيئة العمل، حيث ما يزال كثير من العمال يواجهون ظروفا صعبة، أكان من حيث ساعات العمل الطويلة، أو انعدام وسائل السلامة أو نقصها، أو حتى سوء المعاملة أحيانا. العامل يريد مكان عمل يحترمه كإنسان قبل أن يكون موظفا.

كما أن العامل يتطلع إلى العدالة؛ العدالة في الترقية، في التقييم، في توزيع الفرص. لا يطلب واسطة ولا محسوبيات، بل نظاما واضحا يكافىء المجتهد ويحاسب المقصر.

وفي ظل التطور السريع، أصبح من حق العامل أيضا أن يحصل على فرص للتدريب والتطوير، وهو ما يفيد أصحاب العمل أنفسهم في الوقت ذاته. العالم يتغير، والمهن تتبدل، ومن لا يواكب هذا التغيير يجد نفسه خارج السوق. لذلك، فإن الاستثمار في العامل هو استثمار في مستقبل المجتمع كله.

يوم العمال يجب أن يكون وقفة حقيقية، لا مجرد مناسبة عابرة.. وقفة للاستماع إلى صوت العامل، وتحويل المطالب إلى خطوات عملية. فالمجتمعات لا تبنى بالشعارات، بل بالعدل والإنصاف.

وقفة لمراجعة السياسات الاقتصادية وقوانين العمل كافة والتزامات الأردن بالاتفاقيات الدولية ذات الشأن المصادِقة عليها، وسياسات التشغيل بخاصة.

ولعل هذه الأخيرة، أي سياسات التشغيل، تصطف في مقدم ما ينبغي مراجعته، فقبل أن نطالب بحقوق العمال، علينا أن نراجع هذه السياسات التي تؤثر على المجتمع بأسره، وتؤثر على العاطلين عن العمل الذين يبحثون عن أي فرصة عمل أياً كانت، حتى لو لم تكن تتناسب مع مؤهلاتهم.

ولا داعي، في هذا المقام على الأقل والآن، لأن نتحدث عن قصور الحكومات المتعاقبة في معالجة هذا الباب.

في النهاية، العامل لا يريد الكثير.. فقط يريد أن يعيش بكرامة. وهذا أحد أبسط الحقوق التي يمكن أن يطالب بها أي إنسان.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/04/30 الساعة 20:15