المجالي يكتب: وزارة العدل تقود التحول.. حين تنتصر الخوارزميات في عيد العمال

مؤيد المجالي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/04/30 الساعة 12:58
ليس أكثر رمزية من أن يأتي الحديث عن أتمتة العدالة ونحن على أعتاب عيد العمال.

ففي كل مرة يتقدم فيها العالم تقنيًا، يُطرح السؤال ذاته:

هل التكنولوجيا عدوّ العمل… أم بوابته إلى مرحلة أكثر نضجًا؟

إن ما يحدث اليوم في وزارة العدل ليس مجرد تطوير إداري، بل مثال حي على هذا السؤال؛ فنحن لا نشهد “إلغاء وظائف”… بل نشهد إعادة تعريف العمل نفسه.

إن التحولات الكبرى في التاريخ لم تكن رحيمة بالمهن التقليدية… لكنها كانت عادلة مع المجتمعات التي فهمت قواعد اللعبة.

فعندما ظهرت الآلة، خاف العمّال.

وعندما دخلت الحواسيب، خاف الموظفون.

واليوم، مع الذكاء الاصطناعي، يتكرر الخوف ذاته.

لكن الحقيقة التي أثبتها الزمن بسيطة:

العمل لا يختفي… بل يتطور، وإن ما يختفي هو الشكل القديم فقط.

وفي سياق العدالة، هذا التحول أكثر وضوحًا؛ فالمعاملات الروتينية التي كانت تستهلك وقت المحامين والموظفين، ستُدار الآن عبر أنظمة ذكية.

ولكن هل يعني ذلك نهاية العمل القانوني؟

على العكس تمامًا.

هذا يعني أن:

- المحامي سيتحرر من “العمل الميكانيكي” ليتفرغ للجوهر

- الموظف سيتحول من منفذ إجراءات إلى مدير نظام

- والدولة ستنتقل من بيروقراطية ثقيلة إلى كفاءة إنتاجية

بمعنى آخر:

نحن لا نفقد العمل… نحن نرفع مستواه.

وهنا تأتي المفارقة التي يجب أن تُقال بوضوح في عيد العمال:

إن أخطر ما يمكن أن نفعله بالعمّال اليوم ليس إدخال التكنولوجيا… بل إبقاؤهم خارجها.

إن العامل الذي لا يمتلك مهارات رقمية، لن يحميه إيقاف التقدم… بل سيجعله أكثر هشاشة أمامه، أما العامل الذي يُعاد تأهيله، ويُدمج في هذا التحول، فهو من سيملك المستقبل.

إذا نظرنا إلى تجارب مثل إستونيا أو سنغافورة، سنجد أن النجاح لم يكن في استبدال الإنسان، بل في الاستثمار فيه.

هناك، لم تُلغَ الوظائف… بل أُعيد تصميمها.

ولم يُترك العامل خلف الآلة… بل تم تأهيله ليقودها.

وهذا هو الدرس الحقيقي.

إن ما تقوم به الدولة اليوم في أتمتة العدالة يجب أن يُستكمل بمسار موازٍ لا يقل أهمية:

- تدريب الكوادر القانونية على أدوات الذكاء الاصطناعي

- إعادة تأهيل الموظفين للعمل ضمن أنظمة رقمية

- إدخال مهارات “القانون الرقمي” في التعليم والتدريب

- حماية العامل لا عبر تجميد التطور، بل عبر تمكينه داخله

لأن العدالة الرقمية بدون “عدالة وظيفية” ستبقى ناقصة.

في عيد العمال، لا يجب أن يكون النقاش:

هل ستأخذ الخوارزميات وظائفنا؟

بل يجب أن يكون:

كيف نكون نحن جزءًا من هذه الخوارزميات؟

كيف نصنعها، نُديرها، ونستفيد منها؟

إن ما يحدث اليوم ليس تهديدًا… بل فرصة تاريخية؛ فرصة لإعادة تعريف العمل في الأردن، ولتحويل العامل من ضحية للتغيير… إلى شريك فيه.

إن هذه ليست قصة أتمتة... بل هذه قصة انتقال من “اقتصاد الوظيفة” إلى “اقتصاد المهارة”، وفي هذا الانتقال، لا يُقصى من يعمل… بل يُقصى من يرفض أن يتطور.

في عيد العمال، الرسالة يجب أن تكون واضحة:

احموا العمّال… لكن لا تحموهم من المستقبل... بل ادفعوهم إليه.

ففي عالم تُدار فيه الدول بالخوارزميات،

العامل الذي يتطور… هو وحده الذي يبقى.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/04/30 الساعة 12:58