الرجل الذي جعلني أرحل إلى شويعر

عبدالهادي راجي المجالي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/04/29 الساعة 18:37
..ذهبت اليوم إلى (شويعر) لحضور تخريج الدفعة الأولى من خدمة العلم ...واستمعت لكلمة ولي العهد من خارج سور الاحتفال ، كانت الناس محتشدة ..وكانت الألوف منها تحاول الدخول لميدان التخرج ، بعضهم لهم أبناء ..وبعضهم جاءوا فقط لمشاهدة ولي العهد وبعضهم من سكان المناطق المجاورة ...لكثرة البشر حضرت الإحتفال من وراء الأسوار .

بين الناس شعرت بشيء هو : اللهفة والشغف ..اللهفة لرؤية ولي العهد ، والشغف الشديد لرؤية طوابير العسكر ..ورؤية الجيش ..

المشهد باختصار هو الاتي : في ظل انغماسنا بمنظومة الإصلاح السياسي ، كان ولي العهد منغمسا بمنظومة الإصلاح الأخلاقي والوطني ...والنتيجة لا تقدر بالعلامات بل بقلوب الناس ودمعهم وبسالتهم ، بالأدرينالين الذي تدفق في دمهم لحظة قيام موسيقات القوات المسلحة ...بعزف موسيقى الطابور السريع ...بالصمت الذي استولى على العيون لحظة إلقاء ولي العهد لكلمته ..كنت أظن أن الصمت يرتبط بالأذن فقط ، لكن حين تحدث الرجل حتى العيون صمتت .

واختصار المشهد أيضا .. الناس قطعت مئات الكيلومترات كي تحضر الحفل ، وتشاهد ولي العهد وهو يخطب في الحشد ...بالمقابل قطعت قيادات الأحزاب لدينا الألوف من الكيلومترات كي يصلوا للناس ..وللأسف لم يصلوا بعد ..

ما هو سرك في اقتحام القلب الأردني بهذا الشكل يا سيدي؟

لو وقف ولي العهد دون أن ينطق بكلمة ، فقط وقف على المنصة ..واستعرض الطابور وسلم بكفه الحانية على الموجودين ، فالحركة بحد ذاتها ستكون خطابا بليغا أيضا ...اللغة الأجمل في الدنيا هي التي تقرأ في العيون وفي الأكف وفي الرتبة العسكرية وفي الإبتسامة ... وفي اللحظة العفوية ، والناس في بلادي تقرأ ولي العهد جيدا ..تقرأ في وجهه الجيش والحسين وعبدالله الأول ، وتقرأ إيمان الأميرة الجميلة ..وتقرأ تربية عبدالله الثاني وألقه وحضوره .

عدسات المصورين - للأسف - في كل حفل لا تركز على عيون الناس البسطاء ...تركز على الحفل ، ولو ركزت على ابتسامات الناس لعرفنا أننا استعدنا زمن (خو) ...(وخو) لم تكن معسكرا للتدريب ..بل كانت ضمير الدولة ، ووجهها ...استعدنا معسكرات الزرقاء ، وهي لم تكن مكانا لسكن الضباط وعائلاتهم ، بل كانت صورة مجتمع ...لم يكن الجيش فيه يتولى الدفاع عن الحدود والسيادة فقط، بل كان مؤسسة رعاية ومؤسسة تعليم ، ومؤسسة للصحة ..الجيش صنع كل ذلك .

وفي معسكرات الزرقاء ...كنا نحس بالهوية دون أن نتحدث عنها ، فالهوية الوطنية هي إحساس يرتبط بالقلب والدم والروح ..ولا ترتبط أبدا بالتنظير والتعريف ومحاضرات من أنتجوا بطولاتهم بعد التقاعد من الوظيفة العامة ، والجيش كان وما زال أفضل تعبير عن الهوية .

استعدنا اليوم ذكريات الختم على (جركنات ) الوقود ...بالأحرف (ج ع) وهي اختصار للجيش العربي ...وما كان يختم على الخبز الفرنسي الذي يأتينا من مخابزالجيش ، وعلى البسكويت الذي كنا نشتريه من المؤسسة الإستهلاكية العسكرية ...

حتى (شويعر) بدت وجوه العسكر والضباط فيها أجمل ...ذكرتني بحبيب الزيودي حين قال : (في فتية خيطوا الصحراء من دمهم وعلموا أهلها التحنان والطربا) ...العسكر اليوم كأنهم خيطوا الصحراء من دمهم ، لابل بدمهم صنعوا أجمل رداء لها .

يا ليت لو أن الأحزاب والحكومات تتعلم من ولي العهد ماذا يعني البرنامج ، وماذا يعني التنفيذ ..وماذا يعني الإصلاح الأخلاقي والوطني والشخصي ..يا ليت لو أنهم تعلموا منه ، كيف تصر الصحراء على أن تكون أردنية ..حين يخط فيها الفتية الذين تخرجوا للتو خطاهم ، ويضربون بصيحاتهم صمتها ...فيصرخ الصمت معهم .

كنت في (شويعر) اليوم ...(وشويعر) جعلتني أشعر بأن هنالك إنجازا قد تحقق ...

لقد أعاد فتيتنا الذين تخرجوا اليوم لي أردنيتي ، كنت على وشك أن أضيعها في البزنس بارك والبوليفارد ..لكني استعدتها .

أخذنا ولي العهد اليوم (لشويعر) ..وتركنا جميعا هناك ....ففي الجيش تجد ذاتك التي ضاعت ...وترفض أن تعود .

حمى الله الملك

حمى الله ولي العهد
مدار الساعة ـ نشر في 2026/04/29 الساعة 18:37