هل تعلم وزارة الزراعة شيئاً عن الهجرة المناخية… وما هي تدابيرها؟

أ.د محمد الفرجات
مدار الساعة ـ نشر في 2026/04/28 الساعة 22:37
الهجرة المناخية الداخلية في الأردن: أزمة تتصاعد بصمت...

منذ سنوات، وأنا أحذر في مقالاتي ولقاءاتي ومحاضراتي من ظاهرة تتسلل بهدوء إلى عمق المجتمع الأردني، لكنها تحمل في طياتها تداعيات خطيرة على الاقتصاد والمجتمع والأمن والبيئة.

إنها الهجرة الداخلية الناجمة عن التغير المناخي؛ تلك التي لا تُحدثها الحروب ولا النزاعات، بل تفرضها قسوة الطبيعة حين تضيق موارد العيش، ويختنق الريف تحت وطأة شح المياه وتدهور التربة وتراجع الإنتاج الزراعي، نتيجة مباشرة للاحتباس الحراري وتغير أنماط الهطل المطري.

هجرة قسرية من الريف إلى المدينة...

اليوم، يواجه مزارعو القرى، ومربو المواشي في البوادي، وأصحاب الأراضي الزراعية تحديًا وجوديًا غير مسبوق.

فالأرض التي كانت مصدر رزقهم لم تعد كذلك؛ المياه تتناقص، المراعي تتدهور، وكلفة الإنتاج تتجاوز العائد.

وفي ظل هذا الواقع، لا يجد كثيرون خيارًا سوى مغادرة أرضهم والتوجه إلى المدن بحثًا عن أي فرصة عمل، مهما كانت بسيطة أو غير مستقرة.

وهكذا، تتحول هذه الهجرة إلى نزوح قسري يفرغ الريف من سكانه، ويترك الأرض مهملة، في مقابل تضخم سكاني حضري يرهق البنية التحتية والخدمات، ويعمّق أزمات البطالة والفقر وارتفاع كلفة المعيشة.

ليست هجرة طبيعية… بل نتيجة خلل مناخي اقتصادي...

ما يجري لا يمكن اعتباره انتقالًا طبيعيًا نحو التحضر، بل هو نتيجة مباشرة لاختلال بيئي واقتصادي.

فالفلاح لا يترك أرضه طوعًا، بل يُجبر على ذلك تحت ضغط واقع لم يعد قابلًا للاستمرار.

وهذه الظاهرة تندرج ضمن مفهوم “العدالة المناخية”، حيث يتحمل الأكثر هشاشة تبعات أزمة لم يكونوا سببًا فيها.

لقد أشرنا سابقًا في أكثر من طرح إلى أن الزراعة تستهلك نحو نصف الموارد المائية في الأردن، مقابل مساهمة محدودة في الناتج المحلي، في ظل تراجع مستمر في كفاءة الإنتاج، واستنزاف المياه الجوفية، وتغير توزيع الأمطار زمانيًا ومكانيًا.

والمزارع الأردني لم يفشل، بل حوصر بظروف مناخية وموارد متناقصة.

تداعيات متسارعة وخطيرة...

الهجرة المناخية الداخلية تفرز سلسلة من الآثار المترابطة، أبرزها:

إفراغ القرى والبوادي وتوسع رقعة التصحر.

تراجع الزراعة والرعي وانعكاس ذلك على الأمن الغذائي.

ارتفاع معدلات البطالة في المدن نتيجة فجوة المهارات.

ضغط غير مسبوق على الخدمات والبنية التحتية الحضرية.

ارتفاع أسعار الغذاء وزيادة الاعتماد على الاستيراد.

تنامي الفقر الحضري وما يرتبط به من مشكلات اجتماعية وأمنية.

هل من رؤية… أم إدارة للأزمة؟

السؤال الجوهري اليوم: هل هناك إدراك مؤسسي حقيقي لحجم هذه الظاهرة؟ وهل تمتلك وزارة الزراعة، وباقي الجهات المعنية، استراتيجية واضحة للتعامل مع الهجرة المناخية قبل أن تتحول إلى أزمة بنيوية؟

المعالجة لا يمكن أن تكون عبر حلول مؤقتة وتصريحات صحفية أو دعم مالي محدود، بل تتطلب تدخلًا جذريًا يعيد التوازن بين الإنسان والأرض.

نحو حلول واقعية وجريئة...

أولًا: تعزيز صمود الريف والبادية

من خلال دعم مربي المواشي، وتوفير المياه بأسعار مدروسة، وتفعيل التأمين الزراعي، وإعادة هيكلة ديون المزارعين، مع التوسع في الزراعة الذكية والمحاصيل المقاومة للجفاف، وإطلاق برامج لإعادة تأهيل المراعي.

ثانيًا: إنشاء قرى إنتاجية ذكية

تقوم على الطاقة المتجددة، وتوظف تقنيات زراعية حديثة، وتجمع بين الإنتاج الزراعي والصناعات الغذائية، بما يوفر فرص عمل محلية ويحد من النزوح، ويعيد توزيع السكان بشكل متوازن.

ثالثًا: سياسات اقتصادية داعمة

تشمل تطوير النقل العام منخفض الكلفة، وتحفيز الاستثمار في المناطق الريفية، وتقديم حوافز ضريبية وتمويلية للمشاريع الإنتاجية، بالشراكة مع الصناديق الوطنية والدولية.

رابعًا: الاستثمار في الإنسان

عبر التدريب والتأهيل المهني لأبناء الريف، وتعزيز الوعي البيئي والمناخي، وربط التعليم بثقافة الإنتاج والبقاء في الأرض.

وبالنهاية نقول: تدابير وقائية ذكية اليوم… أو كلفة الغد...

الهجرة المناخية الداخلية ليست حدثًا عابرًا، بل مؤشر إنذار مبكر على خلل عميق في منظومتنا البيئية والاقتصادية. تجاهلها لن يلغيها، بل سيجعل آثارها أكثر كلفة وتعقيدًا.

الحل ليس في منع الناس من الهجرة، بل في جعل بقائهم خيارًا ممكنًا وكريمًا.

فحين نحمي الأرض ونُمكّن أهلها، فإننا نحمي الأمن الغذائي، ونحافظ على التوازن المجتمعي، ونواجه التغير المناخي بعقلانية ومسؤولية.

فالمدن، مهما اتسعت، لا تستطيع أن تحمل الوطن وحدها… والوطن لا يقوم بلا أرضه وأهله.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/04/28 الساعة 22:37