شطناوي يكتب: العنف الصامت في الأسرة.. أسئلة الوقاية قبل الندم
مدار الساعة ـ نشر في 2026/04/27 الساعة 13:34
مدار الساعة - كتب أ.د. نورس شطناوي -
حين نقف أمام جريمةٍ صادمة تهزّ الوجدان، فإنّ السؤال لا يكون عمّا حدث فحسب، بل عمّا الذي انكسر في الداخل الإنساني حتى يصبح ما حدث ممكنًا. فالجريمة، مهما بدت لحظةً منفصلة في الزمن، ليست وليدة تلك اللحظة، بل هي امتدادٌ لتراكماتٍ نفسية واجتماعية معقّدة، تتشابك فيها الضغوط، وتضطرب فيها المعاني، ويغيب فيها التوازن الذي يحفظ الإنسان من الانزلاق إلى حافة الفعل العنيف. ولعلّ ما يزيد من قسوة بعض الجرائم أنّها لا تقع في فضاءٍ بعيد، بل تنشأ داخل الدائرة الأكثر أمانًا، حيث يُفترض أن تكون الحماية لا التهديد، والرعاية لا الإيذاء. هنا، يتجاوز الحدث كونه جريمة قانونية ليصبح صدمةً أخلاقيةً ونفسيةً تمسّ المجتمع بأكمله، وتدفعنا إلى إعادة التفكير في مفاهيم نعدّها بديهية، مثل الأسرة، والأمان، والانتماء.
حسب تصنيف ريسنك الكلاسيكي، جرى التمييز بين أنماط دافعية عدة في قتل الأبناء: قتل بدافع إنقاذ متوهم للطفل من ألم أو مصير أسوأ، قتل يقع في سياق ذهان حاد، قتل لأن الطفل صار عبئاً أو غير مرغوب فيه، موت ينتهي إليه عنف وإساءة متراكمان، وقتل انتقامي يراد به إيذاء الشريك الآخر عبر جسد الطفل. هذا التصنيف دافعي لا تشخيصي؛ أي إنه يسأل: ما الفكرة التي حكمت الفعل؟ لا: ما اسم المرض فقط؟
إذا أخذنا المعطى الرسمي الوحيد المعلن عن خلافات عائلية، ومعه الروايات المحلية غير النهائية عن إقامة منفصلة بين الزوجين، فإن أحد الاحتمالات التفسيرية المطروحة ـ لا الجازمة ـ هو ما تسميه الأدبيات قتل الأبناء انتقاماً من الشريك، حيث لا يعود الطفل مُدرَكاً كذات مستقلة، بل كوسيلة لإيقاع أكبر قدر من الألم بالطرف الآخر. وتلفت أدبيات تقييم الخطر في هذا النوع من الجرائم إلى أن إشارات الخطر قد تُرصد أحياناً بوصفها تهديداً للزوجة أو الشريك، من دون أن يجري فهمها في الوقت نفسه كتهديد مباشر للأطفال، خصوصاً عند الانفصال أو النزاع الحاد. لكن اختزال الجريمة كلّها في الانتقام وحده يظل تبسيطاً مريحاً لا أكثر. ففي هذا النوع من الجرائم قد تتداخل السيطرة القسرية، وانهيار صورة الذات، والغضب المذلّ، والاكتئاب الحاد، وسوء استخدام المواد، والسوابق العنيفة، وضعف الضبط الانفعالي. وتشير دراسات الخطر إلى أن الاضطراب النفسي الشديد، ومحاولات الانتحار السابقة، وتعاطي المواد، والعنف المسبق، والضغط الاجتماعي والاقتصادي قد تعمل كلّها كعوامل مفاقِمة عندما تجتمع مع شخصية متصلبة وصراع أسري مشتعل.
المشكلة في الأردن ليست أن هذه الجريمة لا تشبهنا، بل أن بعض الشروط التي تسمح بتكاثر العنف موجودة بيننا سلفاً. فبحسب ملخص مسح السكان والصحة الأسرية الصادر عن دائرة الإحصاءات العامة لعام 2023، فإن 34% من النساء المتزوجات و62% من الرجال يرون أن ضرب الزوجة مبرر في سبب واحد على الأقل، وأن 18% من النساء المتزوجات قد اختبرن عنفاً زوجياً، وأن 57% ممن تعرضن للعنف لم يطلبن مساعدة ولم يخبرن أحداً. والأدبيات الدولية تعدّ تعرّض الأطفال لعنف الشريك شكلاً من أشكال إساءة معاملة الطفل، ذا آثار نفسية ونمائية معتبرة، ما يعني أن العنف بين الزوجين لا يبقى بين الزوجين أبداً.
وتُظهر الدراسة الوطنية حول العنف ضد الأطفال التي أصدرها المجلس الوطني لشؤون الأسرة بدعم من اليونيسف أن 50% من الأطفال تعرضوا لعنف جسدي من الوالدين أو الأوصياء القانونيين أو المعلمين أو الإخوة، وأن التقرير نفسه ينص صراحة على أن ثمة أعرافاً ثقافية تُطبّع العنف ضد الأطفال عندما يُستخدم بوصفه أداة تأديب. وعندما يصبح الضرب مألوفاً في التربية، لا تعود المسافة النفسية بين التقويم والعدوان آمنة كما نحب أن نتخيل.
أما على مستوى الاستجابة، فتشير بيانات أطلس الصحة النفسية 2024 التي نشرتها منظمة الصحة العالمية إلى أن الأردن يملك 0.8 طبيبٍ نفسي فقط لكل مئة ألف نسمة، وأن إجمالي العاملين في الصحة النفسية يبلغ 1.0 لكل مئة ألف، مع مرفق خارجي واحد فقط مخصص للأطفال والمراهقين، ومن دون مرافق داخلية متخصصة لهم؛ كما أن دمج الصحة النفسية في الرعاية الأولية لم يصل بعد إلى مستوى التكامل الوظيفي الكامل. وتضيف مراجعة حديثة عن إدماج الدعم النفسي الاجتماعي في الرعاية الأولية أن الوصمة، والخوف من انكشاف الخصوصية في المجتمعات الأصغر، وضعف الوعي بالخدمات، كلها حواجز فعلية أمام طلب المساعدة.
ولا يجوز أيضاً أن نعفي السياق المعيشي من مسؤوليته. فمعدل البطالة الرسمي بلغ 21.4% في 2024، فيما قدّرت المنظمة الدولية نفسها العبء الاقتصادي لاضطرابات الصحة النفسية في الأردن بنحو 251.8 مليون دينار في 2023، أي ما يعادل 0.75% من الناتج المحلي الإجمالي. الضغط الاقتصادي لا يصنع قاتلاً آلياً، لكنه قد يضيّق الخيارات، ويضاعف الإحباط، ويزيد هشاشة الأسر عندما يقترن بصمت اجتماعي، وعنف سابق، وندرة في الدعم النفسي، وصراع أسري يتجاوز قدرة الأطراف على الاحتمال.
ومن زاوية أخرى، فإن المجتمع كثيرًا ما يتعامل مع هذه الحوادث بوصفها استثناءات صادمة، في حين أنها، من منظور علمي، مؤشرات على خللٍ أعمق يحتاج إلى قراءة هادئة لا إلى ردود فعل آنية. فالاكتفاء بالإدانة، على أهميتها، لا يمنع تكرار الجريمة، بل قد يُسهم في إخفاء الأسباب الحقيقية وراءها، خاصة إذا تم تجاهل العوامل النفسية والاجتماعية التي سبقتها. لذلك، فإن النقاش الحقيقي يجب أن يتجاوز السؤال الأخلاقي المباشر، ليشمل سؤال الوقاية، وكيف يمكن بناء منظومة قادرة على التقاط إشارات الخطر قبل أن تتحول إلى كارثة.
وفي النهاية، فإن الجريمة، مهما كانت قسوتها، تظل رسالة مشوّهة عن خللٍ ما، وإذا لم نقرأ هذه الرسالة بعمق، فإننا نُخاطر بتكرارها بصورٍ مختلفة. لذلك، فإن مسؤوليتنا لا تقف عند حدود الصدمة أو الغضب، بل تمتد إلى محاولة الفهم، ليس تبريرًا، بل بحثًا عن طريق يمنع أن تتحول المأساة إلى نمط. فالمجتمعات لا تُقاس فقط بقدرتها على العقاب، بل بقدرتها على الوقاية، وعلى إعادة بناء الإنسان قبل أن يصل إلى لحظة اللاعودة. في الحادثة الاخيرة لم يُقتل ثلاثة أطفال فقط؛ انكشف أيضاً كم نحتاج إلى أن نعيد تعريف العنف الأسري في وعينا العام. العنف لا يبدأ لحظة تُرفع السكين، بل حين نستخفُّ بالتهديد، ونُطبّع الضرب، ونسخر من العلاج النفسي، ونعتبر صمت المرأة فضيلة، وخوف الطفل شأناً عابراً. احترام الضحايا هنا لا يكون بالمبالغة في الرثاء، بل بالاعتراف الصريح بأن الوقاية ممكنة، وأن المجتمع الذي يريد حماية أطفاله لا ينتظر الجريمة حتى يتكلم.
حين نقف أمام جريمةٍ صادمة تهزّ الوجدان، فإنّ السؤال لا يكون عمّا حدث فحسب، بل عمّا الذي انكسر في الداخل الإنساني حتى يصبح ما حدث ممكنًا. فالجريمة، مهما بدت لحظةً منفصلة في الزمن، ليست وليدة تلك اللحظة، بل هي امتدادٌ لتراكماتٍ نفسية واجتماعية معقّدة، تتشابك فيها الضغوط، وتضطرب فيها المعاني، ويغيب فيها التوازن الذي يحفظ الإنسان من الانزلاق إلى حافة الفعل العنيف. ولعلّ ما يزيد من قسوة بعض الجرائم أنّها لا تقع في فضاءٍ بعيد، بل تنشأ داخل الدائرة الأكثر أمانًا، حيث يُفترض أن تكون الحماية لا التهديد، والرعاية لا الإيذاء. هنا، يتجاوز الحدث كونه جريمة قانونية ليصبح صدمةً أخلاقيةً ونفسيةً تمسّ المجتمع بأكمله، وتدفعنا إلى إعادة التفكير في مفاهيم نعدّها بديهية، مثل الأسرة، والأمان، والانتماء.
حسب تصنيف ريسنك الكلاسيكي، جرى التمييز بين أنماط دافعية عدة في قتل الأبناء: قتل بدافع إنقاذ متوهم للطفل من ألم أو مصير أسوأ، قتل يقع في سياق ذهان حاد، قتل لأن الطفل صار عبئاً أو غير مرغوب فيه، موت ينتهي إليه عنف وإساءة متراكمان، وقتل انتقامي يراد به إيذاء الشريك الآخر عبر جسد الطفل. هذا التصنيف دافعي لا تشخيصي؛ أي إنه يسأل: ما الفكرة التي حكمت الفعل؟ لا: ما اسم المرض فقط؟
إذا أخذنا المعطى الرسمي الوحيد المعلن عن خلافات عائلية، ومعه الروايات المحلية غير النهائية عن إقامة منفصلة بين الزوجين، فإن أحد الاحتمالات التفسيرية المطروحة ـ لا الجازمة ـ هو ما تسميه الأدبيات قتل الأبناء انتقاماً من الشريك، حيث لا يعود الطفل مُدرَكاً كذات مستقلة، بل كوسيلة لإيقاع أكبر قدر من الألم بالطرف الآخر. وتلفت أدبيات تقييم الخطر في هذا النوع من الجرائم إلى أن إشارات الخطر قد تُرصد أحياناً بوصفها تهديداً للزوجة أو الشريك، من دون أن يجري فهمها في الوقت نفسه كتهديد مباشر للأطفال، خصوصاً عند الانفصال أو النزاع الحاد. لكن اختزال الجريمة كلّها في الانتقام وحده يظل تبسيطاً مريحاً لا أكثر. ففي هذا النوع من الجرائم قد تتداخل السيطرة القسرية، وانهيار صورة الذات، والغضب المذلّ، والاكتئاب الحاد، وسوء استخدام المواد، والسوابق العنيفة، وضعف الضبط الانفعالي. وتشير دراسات الخطر إلى أن الاضطراب النفسي الشديد، ومحاولات الانتحار السابقة، وتعاطي المواد، والعنف المسبق، والضغط الاجتماعي والاقتصادي قد تعمل كلّها كعوامل مفاقِمة عندما تجتمع مع شخصية متصلبة وصراع أسري مشتعل.
المشكلة في الأردن ليست أن هذه الجريمة لا تشبهنا، بل أن بعض الشروط التي تسمح بتكاثر العنف موجودة بيننا سلفاً. فبحسب ملخص مسح السكان والصحة الأسرية الصادر عن دائرة الإحصاءات العامة لعام 2023، فإن 34% من النساء المتزوجات و62% من الرجال يرون أن ضرب الزوجة مبرر في سبب واحد على الأقل، وأن 18% من النساء المتزوجات قد اختبرن عنفاً زوجياً، وأن 57% ممن تعرضن للعنف لم يطلبن مساعدة ولم يخبرن أحداً. والأدبيات الدولية تعدّ تعرّض الأطفال لعنف الشريك شكلاً من أشكال إساءة معاملة الطفل، ذا آثار نفسية ونمائية معتبرة، ما يعني أن العنف بين الزوجين لا يبقى بين الزوجين أبداً.
وتُظهر الدراسة الوطنية حول العنف ضد الأطفال التي أصدرها المجلس الوطني لشؤون الأسرة بدعم من اليونيسف أن 50% من الأطفال تعرضوا لعنف جسدي من الوالدين أو الأوصياء القانونيين أو المعلمين أو الإخوة، وأن التقرير نفسه ينص صراحة على أن ثمة أعرافاً ثقافية تُطبّع العنف ضد الأطفال عندما يُستخدم بوصفه أداة تأديب. وعندما يصبح الضرب مألوفاً في التربية، لا تعود المسافة النفسية بين التقويم والعدوان آمنة كما نحب أن نتخيل.
أما على مستوى الاستجابة، فتشير بيانات أطلس الصحة النفسية 2024 التي نشرتها منظمة الصحة العالمية إلى أن الأردن يملك 0.8 طبيبٍ نفسي فقط لكل مئة ألف نسمة، وأن إجمالي العاملين في الصحة النفسية يبلغ 1.0 لكل مئة ألف، مع مرفق خارجي واحد فقط مخصص للأطفال والمراهقين، ومن دون مرافق داخلية متخصصة لهم؛ كما أن دمج الصحة النفسية في الرعاية الأولية لم يصل بعد إلى مستوى التكامل الوظيفي الكامل. وتضيف مراجعة حديثة عن إدماج الدعم النفسي الاجتماعي في الرعاية الأولية أن الوصمة، والخوف من انكشاف الخصوصية في المجتمعات الأصغر، وضعف الوعي بالخدمات، كلها حواجز فعلية أمام طلب المساعدة.
ولا يجوز أيضاً أن نعفي السياق المعيشي من مسؤوليته. فمعدل البطالة الرسمي بلغ 21.4% في 2024، فيما قدّرت المنظمة الدولية نفسها العبء الاقتصادي لاضطرابات الصحة النفسية في الأردن بنحو 251.8 مليون دينار في 2023، أي ما يعادل 0.75% من الناتج المحلي الإجمالي. الضغط الاقتصادي لا يصنع قاتلاً آلياً، لكنه قد يضيّق الخيارات، ويضاعف الإحباط، ويزيد هشاشة الأسر عندما يقترن بصمت اجتماعي، وعنف سابق، وندرة في الدعم النفسي، وصراع أسري يتجاوز قدرة الأطراف على الاحتمال.
ومن زاوية أخرى، فإن المجتمع كثيرًا ما يتعامل مع هذه الحوادث بوصفها استثناءات صادمة، في حين أنها، من منظور علمي، مؤشرات على خللٍ أعمق يحتاج إلى قراءة هادئة لا إلى ردود فعل آنية. فالاكتفاء بالإدانة، على أهميتها، لا يمنع تكرار الجريمة، بل قد يُسهم في إخفاء الأسباب الحقيقية وراءها، خاصة إذا تم تجاهل العوامل النفسية والاجتماعية التي سبقتها. لذلك، فإن النقاش الحقيقي يجب أن يتجاوز السؤال الأخلاقي المباشر، ليشمل سؤال الوقاية، وكيف يمكن بناء منظومة قادرة على التقاط إشارات الخطر قبل أن تتحول إلى كارثة.
وفي النهاية، فإن الجريمة، مهما كانت قسوتها، تظل رسالة مشوّهة عن خللٍ ما، وإذا لم نقرأ هذه الرسالة بعمق، فإننا نُخاطر بتكرارها بصورٍ مختلفة. لذلك، فإن مسؤوليتنا لا تقف عند حدود الصدمة أو الغضب، بل تمتد إلى محاولة الفهم، ليس تبريرًا، بل بحثًا عن طريق يمنع أن تتحول المأساة إلى نمط. فالمجتمعات لا تُقاس فقط بقدرتها على العقاب، بل بقدرتها على الوقاية، وعلى إعادة بناء الإنسان قبل أن يصل إلى لحظة اللاعودة. في الحادثة الاخيرة لم يُقتل ثلاثة أطفال فقط؛ انكشف أيضاً كم نحتاج إلى أن نعيد تعريف العنف الأسري في وعينا العام. العنف لا يبدأ لحظة تُرفع السكين، بل حين نستخفُّ بالتهديد، ونُطبّع الضرب، ونسخر من العلاج النفسي، ونعتبر صمت المرأة فضيلة، وخوف الطفل شأناً عابراً. احترام الضحايا هنا لا يكون بالمبالغة في الرثاء، بل بالاعتراف الصريح بأن الوقاية ممكنة، وأن المجتمع الذي يريد حماية أطفاله لا ينتظر الجريمة حتى يتكلم.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/04/27 الساعة 13:34