شطناوي يكتب: ولي العهد من غابات اليرموك.. السياحة البيئية رافعة للتنمية وتمكين المجتمعات المحلية
مدار الساعة ـ نشر في 2026/04/25 الساعة 11:00
مدار الساعة - كتب أ.د. نورس شطناوي -
كانت صورة سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني وهو يسير بين أشجار الملول في محمية غابات اليرموك إعلاناً سياسياً هادئاً بأن حماية الطبيعة في الأردن لم تعد شأناً عادياً، وأن السياحة البيئية لم تعد ترفاً لهواة المشي، بل جزءاً من معادلة التنمية المحلية والهوية الوطنية معاً. ففي الشمال، حيث تتجاور الذاكرة الزراعية مع الامتداد الحرجي الطبيعي، اختار ولي العهد أن يصغي إلى ناشطين في السياحة البيئية والداخلية، وأن يربط بين جمال المكان وحق الناس المحيطين به في العيش الكريم.
الرسالة الأوضح في هذه الزيارة أن الدولة تقول للمجتمع: هذه المواقع ليست للفرجة العابرة، بل للاستثمار المسؤول. وحين يؤكد ولي العهد أهمية تطوير السياحة البيئية ودورها في تمكين المجتمعات المحلية، فهو يضع معياراً بسيطاً وصارماً في آن واحد: نجاح أي مشروع لا يقاس بعدد الصور الملتقطة عند الغروب، بل بعدد فرص العمل التي يخلقها، ومدى صونه للموارد، وقدرته على إبقاء العائد داخل القرى المحيطة.
واللافت أيضاً أن ولي العهد لم يتحدث عن السياحة بوصفها ترفيهاً فقط، بل بوصفها مسؤولية مواطنية: إبراز المواقع الطبيعية من جهة، والمحافظة عليها ونظافتها من جهة أخرى. وهذه نقطة جوهرية، لأن السياحة البيئية في بلد شحيح الموارد مثل الأردن لا يمكن أن تنجح إذا بُنيت على الاستهلاك السريع للمكان. المطلوب ليس مزيداً من الزوار فحسب، بل مزيداً من الزوار الذين يتركون أثراً اقتصادياً أقل على الطبيعة وأكثر على دخل الناس؛ وهذه خلاصة تنسجم أيضاً مع الخطاب البيئي الأردني الأوسع في يوم الأرض، حيث أعادت وزارة البيئة التذكير بأن التغير المناخي وندرة المياه والتصحر لم تعد ملفات مؤجلة، بل وقائع يومية تضغط على كل قرار تنموي.
محمية غابات اليرموك ليست مجرد مساحة حرجية جميلة في الشمال. إنها واحدة من أكثر المشاهد البيئية ثراءً وحساسية في الأردن: نحو 20.6 كيلومتر مربع من تضاريس تهبط من المرتفعات إلى الأودية، وتضم أربعة أنماط رئيسة من الغطاء النباتي، وأكثر من 546 نوعاً نباتياً، و157 نوعاً من الطيور، وعشرات الأنواع من الثدييات والزواحف والبرمائيات. وهي أيضاً جزء من مسار عالمي مهم لهجرة الطيور، وأحد آخر الامتدادات الطبيعية المهمة لغابات البلوط متساقط الأوراق في المملكة (الملول). ولم يكن انضمامها إلى شبكة اليونسكو لمحميات المحيط الحيوي في عام 2025 مجاملة بروتوكولية، بل اعترافاً دولياً بأن هذا المكان يصلح نموذجاً للتوازن بين الحماية والتنمية والمشاركة المجتمعية.
لكن الطبيعة، إذا تُركت بلا إدارة، تدفع فاتورة الإعجاب بها. فالمحمية تواجه الرعي الجائر، والتحطيب، والصيد، وانجراف التربة، والتوسع الزراعي، والسياحة غير المنظمة. ولهذا تبدو الجهود الجارية أكثر من ضرورية: خطط إدارة متكاملة، وتشجير بالملول، وتطوير مسارات مشي، وربط الحماية بالمجتمع المحلي. هنا تصبح المحافظة على اليرموك اختباراً لنضجنا المؤسسي: هل نريد موقعاً مزدحماً ومستهلكاً، أم وجهة ذات طاقة استيعابية محسوبة تحفظ الجمال وتمنع قتله بزحام الزوار؟ في هذا السؤال وحده يختصر مستقبل اليرموك كله.
في هذا الملف، لا يكفي أن نقول إن السياحة البيئية مهمة. السؤال الأدق: مهمة لمن؟ إذا كانت الإجابة هي للمجتمع المحلي أولاً، فنحن على الطريق الصحيح. مشروع نزل اليرموك البيئي، الذي افتُتح في كانون الثاني الماضي ضمن شراكة تقودها الجمعية الملكية لحماية الطبيعة وبدعم من الديوان الملكي ووزارات معنية، يقدم مؤشراً عملياً على هذا الاتجاه. فالمشروع يضيف 10 غرف و20 شاليهاً بيئياً ومطعماً ومقهى، فيما تتراوح تقديرات فرص العمل المباشرة المعلنة بين 40 و50 فرصة بحسب المصدر الرسمي الذي نقرأه. وهنا، بعيداً عن بهرج الأرقام، الأهم هو فلسفة المشروع نفسها: أن يرى ابن المنطقة في المحمية باب رزق، لا سوراً يمنعه؛ وأن ترى المحمية في المجتمع المحلي شريك حماية، لا عبئاً محيطاً بها.
هذا المنطق ليس جديداً تماماً. فالجمعية الملكية لحماية الطبيعة كانت قد دربت قبل سنوات 14 من أبناء المجتمع المحلي على الدلالة السياحية، ورسّمت أربعة ممرات للمشي، واشتغلت على وثيقة للسياحة المستدامة في المنطقة. وعلى المستوى الوطني، توسعت وزارة السياحة في برامج تدريب أبناء وبنات المجتمعات المحلية ومزودي الخدمات السياحية، فيما تؤكد نماذج الجمعية في مشاغلها الاجتماعية الاقتصادية أن تمكين النساء ليس هامشاً تجميلياً، بل رافعة دخل حقيقية؛ إذ بلغت نسبة العاملات 89 بالمئة في ستة مشاغل تديرها الجمعية حول محميات مختلفة. وفي إربد نفسها، تؤكد المواد الرسمية الحديثة أن السياحة البيئية وسياحة اليوم الواحد تدعمان الأكشاك وبيوت الضيافة وبيع المنتجات الزراعية والحرفية، وتوفران فرصاً موسمية ودائمة، ولا سيما للشباب.
سياسياً، الأردن لا يبدأ من الصفر. الاستراتيجية الوطنية للسياحة للأعوام 2021-2025 وخطة النوع الاجتماعي والإدماج، إضافة إلى خطة النمو الأخضر لقطاع السياحة، تحدثت بوضوح عن تنويع المنتجات، وتحسين البنية التحتية، وتطوير السياحة الداخلية، ورفع التشغيل، وحماية البيئة. كما تعمل وزارة السياحة والآثار على مسودة استراتيجية 2026-2029 تتضمن 31 مشروعاً استراتيجياً. لكن ما ينقصنا اليوم ليس الورق وحده، بل الربط الحازم بين السياسات والمكان: ربط اليرموك بقرى الشمال ومساراته ومواقعه الأثرية في منتج واحد، وتحسين الطرق والإرشاد والمواقف والخدمات، وتفعيل أنظمة الحجز والقياس والرقابة، حتى لا تتحول السياحة البيئية إلى شعار لطيف فوق بنية متعبة. السياسات هنا يجب أن تكون مثل المسار الجيد: واضحة، محددة، ومحمية من الانحراف.
الخلاصة أن الدولة التقطت في التوقيت الصحيح الفكرة الصحيحة. اليرموك ليست خلفية لصورة، بل مقدمة لسياسة. وإذا أحسن الأردن إدارة هذا الملف، فسيثبت أن أجمل استثمار في الطبيعة هو ذاك الذي يترك الشجرة واقفة، والطائر عابراً، والقرية أكثر قدرة على البقاء. أما إذا أُهملت الإدارة، وضعفت البنية التحتية، وغابت معايير السعة والتحمل والتمويل طويل الأجل، فسنخسر الطرفين معاً: السائح والطبيعة.
كانت صورة سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني وهو يسير بين أشجار الملول في محمية غابات اليرموك إعلاناً سياسياً هادئاً بأن حماية الطبيعة في الأردن لم تعد شأناً عادياً، وأن السياحة البيئية لم تعد ترفاً لهواة المشي، بل جزءاً من معادلة التنمية المحلية والهوية الوطنية معاً. ففي الشمال، حيث تتجاور الذاكرة الزراعية مع الامتداد الحرجي الطبيعي، اختار ولي العهد أن يصغي إلى ناشطين في السياحة البيئية والداخلية، وأن يربط بين جمال المكان وحق الناس المحيطين به في العيش الكريم.
الرسالة الأوضح في هذه الزيارة أن الدولة تقول للمجتمع: هذه المواقع ليست للفرجة العابرة، بل للاستثمار المسؤول. وحين يؤكد ولي العهد أهمية تطوير السياحة البيئية ودورها في تمكين المجتمعات المحلية، فهو يضع معياراً بسيطاً وصارماً في آن واحد: نجاح أي مشروع لا يقاس بعدد الصور الملتقطة عند الغروب، بل بعدد فرص العمل التي يخلقها، ومدى صونه للموارد، وقدرته على إبقاء العائد داخل القرى المحيطة.
واللافت أيضاً أن ولي العهد لم يتحدث عن السياحة بوصفها ترفيهاً فقط، بل بوصفها مسؤولية مواطنية: إبراز المواقع الطبيعية من جهة، والمحافظة عليها ونظافتها من جهة أخرى. وهذه نقطة جوهرية، لأن السياحة البيئية في بلد شحيح الموارد مثل الأردن لا يمكن أن تنجح إذا بُنيت على الاستهلاك السريع للمكان. المطلوب ليس مزيداً من الزوار فحسب، بل مزيداً من الزوار الذين يتركون أثراً اقتصادياً أقل على الطبيعة وأكثر على دخل الناس؛ وهذه خلاصة تنسجم أيضاً مع الخطاب البيئي الأردني الأوسع في يوم الأرض، حيث أعادت وزارة البيئة التذكير بأن التغير المناخي وندرة المياه والتصحر لم تعد ملفات مؤجلة، بل وقائع يومية تضغط على كل قرار تنموي.
محمية غابات اليرموك ليست مجرد مساحة حرجية جميلة في الشمال. إنها واحدة من أكثر المشاهد البيئية ثراءً وحساسية في الأردن: نحو 20.6 كيلومتر مربع من تضاريس تهبط من المرتفعات إلى الأودية، وتضم أربعة أنماط رئيسة من الغطاء النباتي، وأكثر من 546 نوعاً نباتياً، و157 نوعاً من الطيور، وعشرات الأنواع من الثدييات والزواحف والبرمائيات. وهي أيضاً جزء من مسار عالمي مهم لهجرة الطيور، وأحد آخر الامتدادات الطبيعية المهمة لغابات البلوط متساقط الأوراق في المملكة (الملول). ولم يكن انضمامها إلى شبكة اليونسكو لمحميات المحيط الحيوي في عام 2025 مجاملة بروتوكولية، بل اعترافاً دولياً بأن هذا المكان يصلح نموذجاً للتوازن بين الحماية والتنمية والمشاركة المجتمعية.
لكن الطبيعة، إذا تُركت بلا إدارة، تدفع فاتورة الإعجاب بها. فالمحمية تواجه الرعي الجائر، والتحطيب، والصيد، وانجراف التربة، والتوسع الزراعي، والسياحة غير المنظمة. ولهذا تبدو الجهود الجارية أكثر من ضرورية: خطط إدارة متكاملة، وتشجير بالملول، وتطوير مسارات مشي، وربط الحماية بالمجتمع المحلي. هنا تصبح المحافظة على اليرموك اختباراً لنضجنا المؤسسي: هل نريد موقعاً مزدحماً ومستهلكاً، أم وجهة ذات طاقة استيعابية محسوبة تحفظ الجمال وتمنع قتله بزحام الزوار؟ في هذا السؤال وحده يختصر مستقبل اليرموك كله.
في هذا الملف، لا يكفي أن نقول إن السياحة البيئية مهمة. السؤال الأدق: مهمة لمن؟ إذا كانت الإجابة هي للمجتمع المحلي أولاً، فنحن على الطريق الصحيح. مشروع نزل اليرموك البيئي، الذي افتُتح في كانون الثاني الماضي ضمن شراكة تقودها الجمعية الملكية لحماية الطبيعة وبدعم من الديوان الملكي ووزارات معنية، يقدم مؤشراً عملياً على هذا الاتجاه. فالمشروع يضيف 10 غرف و20 شاليهاً بيئياً ومطعماً ومقهى، فيما تتراوح تقديرات فرص العمل المباشرة المعلنة بين 40 و50 فرصة بحسب المصدر الرسمي الذي نقرأه. وهنا، بعيداً عن بهرج الأرقام، الأهم هو فلسفة المشروع نفسها: أن يرى ابن المنطقة في المحمية باب رزق، لا سوراً يمنعه؛ وأن ترى المحمية في المجتمع المحلي شريك حماية، لا عبئاً محيطاً بها.
هذا المنطق ليس جديداً تماماً. فالجمعية الملكية لحماية الطبيعة كانت قد دربت قبل سنوات 14 من أبناء المجتمع المحلي على الدلالة السياحية، ورسّمت أربعة ممرات للمشي، واشتغلت على وثيقة للسياحة المستدامة في المنطقة. وعلى المستوى الوطني، توسعت وزارة السياحة في برامج تدريب أبناء وبنات المجتمعات المحلية ومزودي الخدمات السياحية، فيما تؤكد نماذج الجمعية في مشاغلها الاجتماعية الاقتصادية أن تمكين النساء ليس هامشاً تجميلياً، بل رافعة دخل حقيقية؛ إذ بلغت نسبة العاملات 89 بالمئة في ستة مشاغل تديرها الجمعية حول محميات مختلفة. وفي إربد نفسها، تؤكد المواد الرسمية الحديثة أن السياحة البيئية وسياحة اليوم الواحد تدعمان الأكشاك وبيوت الضيافة وبيع المنتجات الزراعية والحرفية، وتوفران فرصاً موسمية ودائمة، ولا سيما للشباب.
سياسياً، الأردن لا يبدأ من الصفر. الاستراتيجية الوطنية للسياحة للأعوام 2021-2025 وخطة النوع الاجتماعي والإدماج، إضافة إلى خطة النمو الأخضر لقطاع السياحة، تحدثت بوضوح عن تنويع المنتجات، وتحسين البنية التحتية، وتطوير السياحة الداخلية، ورفع التشغيل، وحماية البيئة. كما تعمل وزارة السياحة والآثار على مسودة استراتيجية 2026-2029 تتضمن 31 مشروعاً استراتيجياً. لكن ما ينقصنا اليوم ليس الورق وحده، بل الربط الحازم بين السياسات والمكان: ربط اليرموك بقرى الشمال ومساراته ومواقعه الأثرية في منتج واحد، وتحسين الطرق والإرشاد والمواقف والخدمات، وتفعيل أنظمة الحجز والقياس والرقابة، حتى لا تتحول السياحة البيئية إلى شعار لطيف فوق بنية متعبة. السياسات هنا يجب أن تكون مثل المسار الجيد: واضحة، محددة، ومحمية من الانحراف.
الخلاصة أن الدولة التقطت في التوقيت الصحيح الفكرة الصحيحة. اليرموك ليست خلفية لصورة، بل مقدمة لسياسة. وإذا أحسن الأردن إدارة هذا الملف، فسيثبت أن أجمل استثمار في الطبيعة هو ذاك الذي يترك الشجرة واقفة، والطائر عابراً، والقرية أكثر قدرة على البقاء. أما إذا أُهملت الإدارة، وضعفت البنية التحتية، وغابت معايير السعة والتحمل والتمويل طويل الأجل، فسنخسر الطرفين معاً: السائح والطبيعة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/04/25 الساعة 11:00