قرقودة تكتب: من نُقدم الانتخاب أم التعيين؟

تغريد جميل قرقودة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/04/21 الساعة 20:19
في كل مرة يُفتح فيها ملف البلديات، يتقدّم سؤال قديم بصيغة جديدة: هل نحن بحاجة إلى انتخابات بلدية، أم أن التعيين المباشر أكثر جدوى في هذه المرحلة؟ سؤال يبدو إجرائيًا في ظاهره، لكنه في جوهره يعكس فلسفة إدارة الشأن العام، وحدود العلاقة بين الكفاءة والتمثيل.

الانتخابات البلدية، من حيث المبدأ، تُجسّد حق المجتمع في اختيار من يُدير خدماته اليومية، وتمنح المواطنين شعورًا بالمشاركة والمسؤولية. فهي ليست مجرد عملية تصويت، بل رسالة بأن القرار المحلي ينبع من الناس أنفسهم. غير أن التجربة على أرض الواقع تُظهر أحيانًا أن صناديق الاقتراع لا تفرز دائمًا الأكفأ، بل قد تتأثر بالاعتبارات الاجتماعية أو العاطفية، ما يُضعف من جودة المخرجات ويؤثر على مستوى الخدمات.

في المقابل، يطرح التعيين المباشر كخيارٍ يراهن على الكفاءة والخبرة، حيث يتم اختيار أشخاص مؤهلين إداريًا وفنيًا، قادرين على اتخاذ قرارات سريعة بعيدًا عن ضغوط المجاملة أو الحسابات الانتخابية. وقد يُسهم ذلك في تحقيق استقرار إداري، ويُعزز من فاعلية الأداء، خاصة في الظروف التي تتطلب حسمًا وسرعة في الإنجاز.

لكن التعيين، رغم مزاياه، قد يفتقد إلى عنصر مهم، وهو تمثيل نبض الشارع. فالمسؤول المعيّن، مهما بلغت كفاءته، قد يظل بعيدًا عن تفاصيل الاحتياجات اليومية للمواطنين، ما لم يكن هناك تواصل حقيقي وآليات مساءلة واضحة.

وعليه، فإن المفاضلة بين الانتخاب والتعيين لا ينبغي أن تُبنى على تفضيل مطلق لأحدهما، بل على قراءة واقعية لاحتياجات المرحلة. فالمجتمعات لا تتقدّم بشكل الآليات فقط، بل بجودة الأشخاص الذين يديرونها، وبمدى التزامهم بخدمة الصالح العام.

إن البلديات ليست ساحة اختبار لوسيلة الوصول إلى المنصب، بقدر ما هي ميدان لقياس القدرة على الإنجاز وتحقيق التنمية المحلية. وبين الانتخاب والتعيين، تبقى المعادلة الحقيقية في اختيار الإنسان القادر على حمل الأمانة، والعمل بإخلاص، بعيدًا عن أي اعتبار آخر.

في العمق، ليست القضية صندوقًا يُفتح أو قرارًا يُتخذ، بل وعيٌ يُبنى. فالدولة التي تُحسن تربية وعي مواطنيها، لا تخشى نتائج الانتخابات، كما لا تُفرط في التعيين. لأن الإنسان الواعي، حين يختار، يُشبه الحكمة، وحين يُعيَّن، يُشبه المسؤولية.

ثم إن المدينة ليست شوارع تُعبد فقط، بل روحٌ تُدار. والروح لا تنقاد إلا لمن يفهمها، لا لمن يصل إليها بأي وسيلة. فكم من منتخبٍ لم يُحسن الإصغاء، وكم من مُعيّنٍ أتقن قراءة الصمت بين حاجات الناس.

وبين الإرادة الشعبية والعقل الإداري، تقف البلديات كمرآةٍ تعكس مستوى نضجنا الجمعي. فإن أحسنا الاختيار، أشرقت المدن بأهلها، وإن أخطأنا، بقيت الطرق واسعة… لكنها بلا وجهة.

وأخيرًا، لعل السؤال الأجمل ليس: من نُقدّم، الانتخاب أم التعيين؟ بل: كيف نصنع إنسانًا لا يُسيء حين يُمنح الفرصة، ولا يتغيّر حين يصل. هناك فقط، تصبح الوسيلة تفصيلًا، ويغدو الوطن هو النتيجة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/04/21 الساعة 20:19