إسرائيل تدمر وتحتل لكنها لا تستطيع الحسم: لماذا؟

د. أحمد بطاح
مدار الساعة ـ نشر في 2026/04/16 الساعة 13:56
إنّ المُتتبّع بدقة للسلوك السياسي الإسرائيلي بعد 7 من أكتوبر يلاحظ ملاحظة أساسية وهي أنّ إسرائيل استطاعت بالفعل تدمير الكثير (وبالذات في قطاع غزة وجنوب لبنان واليمن وإيران)، واحتلال الكثير أيضاً (وبالذات في جنوب سوريا) ولكنّها لم تستطع حسم الملفات المتعلقة بهذه المناطق بصورة نهائية، ولمزيد من التوضيح نشير إلى ما يلي:

أولاً: فيما يتعلق بقطاع غزة استطاعت إسرائيل قتل ما يزيد عن (80,000) فلسطيني وجرح ضعفهم، كما ارتكبت إبادة جماعية يجري التحقيق فيها في محكمة العدل الدولية، وهي ما زالت تحتل ما يقارب 50% من مساحة القطاع ولكنها بالقطع لم تستطع حسم الموضوع، فالرئيس ترامب شكّل مجلس السلام لمعالجة الموضوع نهائياً ولكنه لم يتقدم خطوة واحدة على صعيد إدارة لجنة القطاع للأمور في غزة، أو إعادة الإعمار، أو الانسحاب الإسرائيلي الكامل من القطاع، أو نزع سلاح حماس. باختصار أمور القطاع ما زالت مُعلّقة ولم تحسم بعد!

ثانياً: فيما يتعلق بالجنوب السوري قامت إسرائيل بالتنصّل من اتفاقية فك الاشتباك الموقعة مع سوريا عام 1975 واحتلال أجزاء غير قليلة من الجنوب السوري (أجزاء من محافظتي القنيطرة، ودرعا)، ولكنها فشلت في عقد "اتفاق أمني" مع النظام السوري الجديد الذي لم يعترف بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل عام 1967، فضلاً عن الأراضي الجديدة التي قامت إسرائيل باحتلالها، وغني عن القول أنّ إسرائيل حاولت استغلال الورقة "الدرزية" في جنوب سوريا لخلق دويلة عميلة لها ولكنها فشلت حتى الآن ومن المتوقع أن يستمر فشلها لأنه ليس هناك مقومات حقيقية لمثل هذه الدويلة!

ثالثاً: هاجمت إسرائيل الضاحية الجنوبية من لبنان بالإضافة إلى مناطق أخرى كما احتلت مناطق حدودية في جنوب لبنان أدت إلى نزوح أكثر من مليون لبناني ولكنها لاقت مقاومة شرسة من "حزب الله" والأمور ما زالت تراوح في مكانها وبخاصة مع إمكانية بدء مفاوضات مع الدولة اللبنانية في واشنطن لا أحد يعرف مآلاتها وبخاصة مع رفض "حزب الله" ومكون رئيسي من مكونات المجتمع اللبناني لهذه المفاوضات من حيث المبدأ.

رابعاً: هاجمت إسرائيل أنصار الله الحوثيين في اليمن وألحقت بهم خسائر كبيرة على الصعيد المادي والقيادي، ولكن الحوثيين ما زالوا قادرين على مهاجمة إسرائيل (وبالذات منطقة إيلات في الجنوب) وإغلاق مضيق باب المندب.

خامساً: هاجمت إسرائيل إيران بالتعاون مع الولايات المتحدة سواء في حرب الـ (12) يوماً السابقة، أو في حرب الـ (40) يوماً حديثاً، ومما لا شك فيه أن إسرائيل استطاعت تدمير الكثير من مقدرات الدولة الإيرانية سواء على الصعيد المادي (مواقع نووية، منصات، صواريخ، مصانع مسيّرات...) والبشري (قتل المرشد الإيراني السابق وعدد كبير من النُخبة الإيرانية: السياسية والعسكرية)، إلّا أنها لم تستطع إخضاع إيران، واللجوء إلى المفاوضات في باكستان يدل على أن الطرف الأمريكي والإسرائيلي وجدا أن الحل العسكري المحض قد لا يجدي مع إيران وقد يكون من المناسب التوصل إلى مقاربة سياسية معها.

ولعلّ السؤال الهام الذي يطرح نفسه هُنا هو: لماذا لم تستطع إسرائيل حسم كل هذه الملفات وإعلان النصر المُطلق الذي يعطي مصداقية لما أعلنه نتنياهو بأنه غيّرَ وجه الشرق الأوسط؟ إنّ هناك عوامل موضوعية كثيرة وقفت وما زالت تقف في وجه إسرائيل ولعلّ أهمها:

أولاً: أنّ قوة إسرائيل لا تنبع منها فعلياً (على قوتها التي لا يمكن نكرانها) بقدر ما تنبع من الغرب (وبالذات الولايات المتحدة) الداعم لها وهي تستطيع أن تبادر وتضرب وتحتل، ولكن الحسم ليس بيدها في الواقع وإنما في اليد الأمريكية التي لها حساباتها كدولة كونية عظمى ذات مصالح ممتدة في كل منطقة الشرق الأوسط.

ثانياً: أنّ إسرائيل تحاول في الأساس تصفية قضية وطنية بامتياز هي قضية الشعب الفلسطيني الذي لم يتوقف عن النضال منذ مائة عام تقريباً. إنّ كل هجمات إسرائيل وحروبها في فلسطين وما حولها وصولاً إلى إيران حديثاً هي في المحصلة لتصفية القضية الفلسطينية وهذا غير ممكن في الواقع لأنها قضية مُحقّة لشعب لا يقل تعداده حالياً عن تعداد اليهود داخل فلسطين التاريخية، وقد تمرس على النضال بكل أشكاله وليس في الوارد أن يتنازل عن حقوقه وأقلها قيام دولته على ترابه الوطني وفقاً لحل الدولتين الذي يقضي بإقامة دولة فلسطينية على أراضي الرابع من حزيران 1967 (الضفة الغربية وقطاع غزة).

ثالثاً: إنّ إسرائيل تعمل بغطاء سياسي كامل من الولايات المتحدة ضد القانون الدولي وهذا يشكك في شرعية احتلالاتها وممارساتها ويجعلها قابلة للنقض عندما تكون الظروف مواتية. لقد ارتكبت إسرائيل إبادة جماعية أمام العالم في قطاع غزة، ورئيس وزرائها (نتنياهو) ووزير دفاعه السابق (يواف جالانت) مطلوبان كمجرمي حرب لمحكمة الجنايات الدولية، وهذا الواقع يحرمها من "القبول الدولي"، ومن الانسجام مع الشرعية الدولية، وهو أمر قد يبدو بسيطاً وغير ذي أهمية في الظروف الحالية، ولكنه بالقطع مهم وذو أهمية كبيرة إذا نظرنا إلى المستقبل باستشراف أوسع.

رابعاً: أنّ إسرائيل تفتقر إلى "البُعد الديموغرافي" الذي لا يمكنها من إدامة العدوان والاحتلال فعدد سكانها لا يزيد عن سبعة ملايين نسمة، وهي تعيش في محيط عربي لن تستطيع السيطرة عليه وإخضاعه على المدى البعيد.

إنّ الحقيقة هي أنّ الطاقة البشرية الإسرائيلية أقل من أن تستطيع الهيمنة على الشعوب العربية المحيطة بها ناهيك عن تركيعها!
مدار الساعة ـ نشر في 2026/04/16 الساعة 13:56