الحماية القانونية للعلم الأردني

أ. د. ليث كمال نصراوين
مدار الساعة ـ نشر في 2026/04/16 الساعة 00:22
يحتفل الأردنيون اليوم بمناسبة عزيزة على قلوبهم هي اليوم الوطني للعلم، بما يحمله من رمزية للدولة وتجسيد لهويتها الوطنية ووحدتها السياسية. وقد حرص المشرع الأردني على إيلاء هذه الراية الوطنية عناية قانونية متكاملة، تبدأ من الدستور وتمتد إلى قانون الأعلام الأردنية والتعليمات التنفيذية الصادرة بمقتضاه، بما يعكس وعيا تشريعيا بأهمية صون هذا الرمز الوطني وتوفير الضمانات القانونية الكفيلة بحمايته.

فقد أفرد الدستور الأردني في المادة (4) منه أحكاما تفصيلية تتعلق بالشكل العام للعلم الأردني ومقاييسه وأبعاده، ليصدر استنادا إلى هذا النص قانون خاص هو قانون الأعلام الأردنية رقم (6) لسنة 2004، الذي يتناول الإطار العام الناظم للأحكام المرتبطة بهذا الرمز الوطني. فقد اعتمد هذا القانون نهجا تشريعيا يقوم على تقرير قواعد عامة توجب رفع الراية في مواقع سيادية أساسية، كمراكز الحدود والمطارات والموانئ والسفن، مع منحها مكان الصدارة بحيث لا يعلو عليها أي علم آخر، وأن تحظى بمكان متقدم عند رفعها مع أعلام الدول أو المؤسسات. كما نظم القانون مسألة رفع أعلام الدول الأجنبية، فحظر استخدامها إلا في نطاقات محددة وبشروط تضمن اقترانها بالعلم الأردني واحترام مكانته.

وفي مقابل هذا التنظيم العام، أحال قانون الأعلام الأردنية في المادة (4) منه العديد من الموضوعات التفصيلية إلى تعليمات تنفيذية يصدرها مجلس الوزراء لهذه الغاية، تتعلق بتحديد المواقع التي يرفع فيها العلم الأردني، والمناسبات المرتبطة به، وشروط صناعته، وآلية استبداله، والترتيبات الخاصة باستخدامه في مراسم الجنازات، وهو ما يؤكد اعتماد بنية تنظيمية تقوم على التكامل بين القانون والتعليمات.

وعلى صعيد الحماية الجزائية، نصت المادة (11) من القانون على حظر استعمال العلم الأردني لأغراض الدعاية أو كعلامة تجارية، ومنع رفعه إذا كان باليا أو ممزقا أو في حالة لا تليق بمكانته، كما أوجبت عدم عرض أعلام المؤسسات الخاصة إلا إلى جانبه وبوضع أدنى منه. وجرّم القانون في المادة (12) جميع صور الإساءة إليه، كتمزيقه أو تحقيره قولا أو فعلا، وقرر لذلك عقوبات سالبة للحرية يصل مداها إلى الحبس لمدة سنتين، إضافة إلى غرامات مالية لا تتجاوز ثلاثة آلاف دينار.

إلا أن هذه الجزاءات، على أهميتها، تبدو محدودة الأثر العقابي نسبيا إذا ما قورنت برمزية هذا الشعار الوطني وخطورة المساس به، الأمر الذي يستدعي إعادة النظر في مستواها لتحقيق ردع أكثر فاعلية.

وضمن الإطار التنظيمي للعلم الأردني، صدرت تعليمات خاصة في عام 2006 تتعلق بالأماكن والمباني التي يرفع عليها، وأوقات ومناسبات استخدامه، وموقعه بين الأعلام الأخرى، حيث حددت الجهات الملزمة بذلك، ونظمت الحالات التي يتم فيها رفعه خلال المؤتمرات الوطنية والدولية، وعلى سيارات ضيوف المملكة، وطائراتها، ويخوتها.

كما عالجت هذه التعليمات مسائل ذات طابع بروتوكولي رمزي، من أبرزها تنكيس الأعلام في حالات الحداد الرسمي بناء على إرادة ملكية سامية، وتنظيم استخدامها في مراسم الجنازات لفئات معينة من الأردنيين تشمل الشهيد، ومن هو برتبة لواء فأعلى، ورؤساء الوزراء ووزراء الدفاع العاملين والمتقاعدين، حيث يُسلم العلم الأردني لذوي المتوفى بعد انتهاء مراسم الدفن.

ومؤخرا، في عام 2025، صدرت تعليمات مواصفات وأبعاد سارية العلم في الأبنية ضمن حدود أمانة عمان، التي ألزمت كل مالك عقار مسجل بأن يضع سارية ضمن الارتداد الأمامي للبناء أو على سطحه. وقد أدى هذا التنظيم إلى انتشار أعلام مرفوعة شكليا على واجهات الأبنية الحديثة لغايات الحصول على التراخيص اللازمة لبيعها، دون أن يقترن ذلك بفرض التزام قانوني بالحفاظ عليها أو استبدالها عند الحاجة. فانتشرت الأعلام الأردنية أمام العمارات السكنية الجديدة في عمان وضواحيها، دون الأخذ بعين الاعتبار سلامتها أو حالتها العامة، ودون وجود إلزام قانوني على المالك باستبدالها عند تلفها، الأمر الذي يبرر إعادة النظر في هذه التعليمات، بل ويستدعي التفكير في إلغائها.

وفي سياق متصل، يبرز خلل عملي لا يقل أهمية، يتمثل في تقصير بعض المؤسسات والدوائر الحكومية في العناية بالأعلام المرفوعة على مبانيها، سواء من حيث حالتها أو طريقة عرضها. وهو ما يوجب تقرير مسؤولية تأديبية على القائمين على إدارتها، من خلال إلزامهم قانونا بالحفاظ عليها وضمان ظهورها بمظهر لائق، وربط ذلك بآليات رقابية فعالة وجزاءات مناسبة تكفل احترام هذا الرمز الوطني في مقار المؤسسات الرسمية والحكومية.

وخلاصة القول، إن العلم الأردني يتمتع بحماية دستورية وقانونية تتناسب مع مكانته ورمزيته، إلا أن هذه المنظومة تبقى بحاجة إلى مراجعة مستمرة وتطوير يعزز من فعاليتها، ويضمن أن يكون حضوره في الفضاء العام لائقا ومعبرا عن قيمته، ومجسدا لهيبة الدولة وسيادتها الكاملة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/04/16 الساعة 00:22