قراءة لتعديلات الضمان الاجتماعي في سياق العقد الاجتماعي

مدار الساعة ـ نشر في 2026/04/11 الساعة 21:11
مدار الساعة - أصدر معهد السياسة والمجتمع تقريرًا تحليليًا بعنوان: "إشارات حول مشروع قانون الضمان الاجتماعي قبل التعديل"، تناول فيه التعديلات المقترحة على قانون الضمان الاجتماعي لعام 2026، ضمن قراءة تربط بين الأبعاد القانونية والاقتصادية والاجتماعية للنظام، وفي سياق النقاش الوطني المتصاعد حول مستقبله واستدامته.

ويشير التقرير إلى أن ملف الضمان الاجتماعي في الأردن يشهد مرحلة دقيقة تتجاوز حدود النقاش التشريعي التقليدي، إذ انتقل الجدل من مستوى البنود القانونية إلى مستوى أعمق يتعلق بطبيعة العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع، وبكيفية توزيع المخاطر الاقتصادية بين الأجيال المختلفة، في ظل تحولات ديموغرافية وارتفاع متوسط الأعمار وتغير أنماط التشغيل في سوق العمل.

ويأتي هذا التقرير كمخرج لجلسة نقاشية عقدها المعهد تحمل عنوان التقرير بمشاركة عدد من الخبراء والمختصين والبرلمانيين، قدّم خلالها العين خالد الكلالدة الإشارات حول مشروع القانون بالشراكة مع العين عبلة عماوي.

ويبيّن التقرير أن مشروع “القانون المعدّل لقانون الضمان الاجتماعي” يمثّل تحوّلًا تشريعيًا متعدد المسارات، يجمع بين إعادة هندسة الحاكمية الداخلية للمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، وتوسيع آليات الشمول التأميني لفئات جديدة، إلى جانب إعادة صياغة عدد من الأحكام الإجرائية المرتبطة بإصابات العمل والأمومة والتعطل عن العمل، بالتوازي مع محور الاستدامة المالية المتصل بإعادة ضبط شروط واستحقاقات التقاعد، ولا سيما ما يتعلق بالسن القانونية والتقاعد المبكر والوجوبي.

وبحسب التقرير، تستند التعديلات المقترحة إلى ثلاث غايات معلنة، تتمثل في توسيع مظلة الحماية الاجتماعية، وإعادة تشكيل مجالس الإدارة والتأمينات والاستثمار بما ينسجم مع معايير الحوكمة، وتعزيز الاستدامة المالية من خلال رفع السن القانونية ووضع شروط جديدة للتقاعد المبكر والوجوبي، مع الحفاظ على استقرار المراكز القانونية لمن تحققت لهم شروط الاستحقاق قبل نفاذ التعديل.

وفي سياق تحليل البيئة المحيطة بالتعديلات، يلفت التقرير إلى أن منظومة الضمان الاجتماعي شهدت خلال الفترة الأخيرة نقاشًا متصاعدًا حول مستقبلها، خاصة بعد طرح الحكومة تعديلات استنادًا إلى دراسة اكتوارية أشارت إلى اقتراب بعض محافظ وصناديق النظام من نقطة التعادل بين الإيرادات والنفقات على المدى المتوسط، وهو ما أسهم في إثارة جدل واسع على المستويين الشعبي والسياسي، ودفع إلى إعادة النظر في مسار طرح التعديلات بعد سلسلة من النقاشات العامة.

ويبرز التقرير أن مسألة الثقة شكّلت محورًا مركزيًا في هذا النقاش، حيث أظهرت المداولات العامة أن القلق المجتمعي لا يرتبط فقط بتفاصيل التعديلات القانونية، بل بدرجة الثقة في النظام التقاعدي نفسه، وفي قدرته على الوفاء بالتزاماته المستقبلية، خاصة في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين على توقعات مستقرة للدخل التقاعدي عند بناء قراراتهم الاقتصادية.

وعلى مستوى المضمون، يشير التقرير إلى أن بعض التعديلات المقترحة ركّزت على إجراءات تهدف إلى تقليص نطاق التقاعد المبكر ورفع الكلفة المرتبطة بالاشتراك في النظام، دون أن يترافق ذلك مع سياسات موازية في سوق العمل أو برامج لإعادة إدماج العاملين الأكبر سنًا، ما يطرح تحديات تتعلق بقدرة النظام على تحقيق التوازن بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية.

كما يتناول التقرير طريقة إدارة العملية التشريعية، مشيرًا إلى أن طرح مشروع القانون ضمن إطار زمني ضاغط نسبيًا، وفتح مواد محددة للنقاش دون غيرها، حدّ من إمكانية مناقشة القانون بصورة شمولية، وأدى إلى اتساع الفجوة بين متطلبات الإصلاح المالي من جهة، ومستوى القبول المجتمعي من جهة أخرى.

وفي قراءته للتحولات البنيوية للنظام، يستعرض التقرير المسار التاريخي لتطور الضمان الاجتماعي في الأردن منذ تأسيسه عام 1978، مرورًا بمراحل التوسع والإصلاح الاكتواري والمعالجة الهيكلية، وصولًا إلى مرحلة المراجعات الدورية، مشيرًا إلى أن النظام تطوّر بوصفه عملية تشريعية تراكمية تعكس التغيرات في الاقتصاد الوطني واتساع قاعدة القوى العاملة والتحولات الديموغرافية.

ويؤكد التقرير أن الفلسفة الأصلية للنظام قامت على كونه منظومة تأمينية تهدف إلى تجميع المخاطر وتوزيعها، إلا أن التحولات اللاحقة أدت إلى تداخل بين منطق التأمين الاجتماعي ومنطق الدعم الاجتماعي، ما أسهم في تعقيد وظيفة النظام وتوسيع التوقعات المرتبطة به.

كما يلفت إلى أن النظام التقاعدي يتمتع بقاعدة مالية مهمة نتيجة تراكم الأصول، إلا أن ذلك لا يلغي التحديات البنيوية المرتبطة بإدارة هذه الموارد بكفاءة، خاصة في ظل تعدد البرامج التأمينية وتزايد الأعباء المالية المرتبطة ببعضها. وتجدر الإشارة إلى أن التقرير تناول أهمية توزيع الأعباء المالية التي سوف تترتب على عملية الإصلاح "الهيكلية" و"التدريجية" أيضاً على أصحاب العمل وعدم تحميل فئة العاملين فقط لخطوات الإصلاح المرجو، إلى جانب التأكيد على محورية التزام الحكومة بحصتها في دفع ما يترتب عليها لصندوق استثمار أموال الضمان وإيجاد آلية استدامة تشاركية بين الطرفين.

وفي تحليله لخريطة التعديلات، يصنّف التقرير المقترحات ضمن حزم رئيسية تشمل الحاكمية والهيكل الإداري، وتوسيع الشمول التأميني، وتعديل برامج التأمين المختلفة، ومحور التقاعد والاستدامة، مشددًا على ضرورة قراءة هذه التعديلات ضمن إطار متكامل نظرًا لتداخلها وتأثيرها المتبادل.

ويخلص التقرير إلى مجموعة من التوصيات، أبرزها ضرورة تبنّي مقاربة إصلاحية شاملة تعالج الاختلالات البنيوية للنظام، وتحقيق توازن بين الاستدامة المالية والحماية الاجتماعية، وتعزيز الثقة العامة من خلال وضوح السياسات واستقرارها. كما يدعو إلى ربط إصلاحات الضمان بسياسات سوق العمل، وتوسيع الشمول التأميني، وتعزيز الحوكمة وكفاءة إدارة الاستثمارات، بما يدعم استدامة النظام على المدى الطويل.

ويؤكد التقرير أن إصلاح الضمان الاجتماعي يجب أن يُنظر إليه بوصفه قضية وطنية استراتيجية تتطلب توافقًا وطنيًا ورؤية طويلة الأجل، بما يعزّز دوره كأحد أعمدة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في الأردن.

ويُذكر أن معهد السياسة والمجتمع هو مركز تفكير مستقل يعمل على تحليل السياسات العامة في الأردن والمنطقة، من خلال تقديم دراسات وأوراق بحثية معمّقة، وتنظيم حوارات وسياسات تفاعلية تربط بين التحليل وصنّاع القرار، بما يسهم في تطوير السياسات العامة وتعزيز الحوار الوطني حول القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/04/11 الساعة 21:11