أبو لبن يكتب: نرجس.. بين الحقيقة والدراما
مدار الساعة ـ نشر في 2026/04/11 الساعة 10:26
يُعدّ مسلسل "حكاية نرجس" من الأعمال الدرامية التي لا تكتفي بسرد الحكاية، بل تذهب أبعد من ذلك لتلامس طبقات عميقة من الواقع الإنساني، حيث تتحوّل الواقعة الحقيقية إلى مادة درامية مشحونة بالتأويل، ويصبح السؤال عن "الحقيقة" أكثر تعقيدًا من مجرد مطابقة الحدث لما جرى. فالمسلسل، في بنيته العامة، لا يعيد إنتاج الحادثة كما هي، بل يعيد صياغتها ضمن رؤية فنية تسعى إلى تكثيف الألم، وتوسيع دلالاته، وربطه بسياق اجتماعي أوسع.
من هنا، تكتسب تجربتك في مشاهدة اللقاءات التلفزيونية مع الشخصية الحقيقية للحادثة، عزيزة (المرأة التي تعرضت للتنمّر بسبب العُقم وقامت بجرائم خطف الأطفال) وابنها إسلام، قيمة نقدية خاصة؛ إذ تتيح هذه المشاهدة الوقوف على المسافة الفاصلة بين الواقع والدراما كما صيغت. وهذه المسافة ليست فجوة بالضرورة، بل هي حيزٌ إبداعي تتحرك فيه الرؤية الفنية.
في الواقع، تبدو عزيزة امرأة تحمل ثقل التجربة أكثر مما تحمل خطابها. حضورها في اللقاءات التلفزيونية لا يعتمد على البلاغة أو التمثيل، بل على صدق عفوي يتسلل من نبرة الصوت، من التردد أحيانًا، ومن الصمت أكثر مما يتسلل من الكلام. إننا أمام شخصية لا تصوغ ذاتها لتُقنع، بل لتُفرغ ما في داخلها. هذا الصدق الخام، الذي قد يبدو بسيطًا في ظاهره، هو في الحقيقة أحد أقسى أشكال التعبير، لأنه لا يستند إلى أدوات فنية، بل إلى تجربة حيّة لم تُهذّبها الدراما.
أما في المسلسل، فإن الشخصية المقابلة لعزيزة تخضع لعملية "تشذيب درامي". يتم اختيار اللحظات الأكثر تأثيرًا، وتُعاد صياغة الحوارات بحيث تحمل كثافة شعورية أكبر، وتُبنى الشخصية على نحوٍ أكثر وضوحًا في مواقفها وانفعالاتها. هنا تتحوّل المرأة من شاهدة على الألم إلى بطلة درامية تقود الحدث، ويُعاد توزيع ضعفها وقوتها بما يخدم البناء السردي. والنتيجة أن الشخصية الدرامية تبدو أكثر تماسكًا، لكنها في الوقت نفسه تفقد شيئًا من عفويتها الواقعية.
الأمر ذاته ينطبق على شخصية إسلام. ففي اللقاءات التلفزيونية، يظهر بوصفه شابًا يحمل أثر الحادثة في داخله، لا في كلماته فقط، بل في إيماءاته وصمته. هو ليس متحدثًا بارعًا، ولا يسعى إلى تقديم رواية مكتملة، بل يكتفي بإشارات متقطعة تكشف حجم ما مرّ به. إن حضوره أقرب إلى "الأثر" منه إلى "الشخصية"؛ أثرٌ لحدثٍ لم ينتهِ بعد.
في المقابل، يعيد المسلسل تشكيل هذه الشخصية ضمن منطق درامي يمنحها دورًا أكثر فاعلية. يتحوّل من شاهد صامت إلى عنصر مشارك في تطور الأحداث، تُكتب له حوارات تُعبّر عمّا لا يُقال في الواقع، ويُدفع أحيانًا إلى اتخاذ مواقف حاسمة تُسهم في تصعيد الحبكة. وهنا يظهر الفرق الجوهري بين الإنسان الحقيقي، الذي يعيش التناقض والتردد، والشخصية الدرامية، التي تُبنى غالبًا على وضوح نسبي في الدوافع والمسارات.
أما نرجس (ريهام عبد الغفور) في العمل الدرامي، فهي ليست مجرد شخصية، بل رمز. تتحوّل إلى تمثيل لحالة إنسانية أوسع: الضحية، أو البراءة المنتهكة، أو الحكاية التي تختصر معاناة مجتمع بأكمله. بينما في الواقع، تظل نرجس – بوصفها جزءًا من حادثة محددة – محكومة بسياقها الخاص، بتفاصيلها الدقيقة التي قد لا تحتمل هذا التعميم. وهنا تكمن إحدى أهم آليات الدراما: تحويل الخاص إلى عام، والفردي إلى رمزي.
من الناحية السردية، يعتمد المسلسل على بناء تصاعدي يُعيد ترتيب الأحداث بما يخلق توترًا مستمرًا، في حين أن الواقع – كما يظهر في اللقاءات – لا يسير وفق هذا النسق. فالحياة لا تعرف دائمًا الذروة الدرامية، ولا تُوزّع لحظاتها على نحوٍ متوازن بين الصعود والهبوط. لذلك، كان من الطبيعي أن يتدخل النص ليعيد تشكيل الزمن، فيضغط بعض اللحظات، ويمدّد أخرى، ويضيف أحيانًا أحداثًا لم تقع، لكنها تخدم المعنى العام.
ومع ذلك، لا يمكن القول إن العمل ابتعد عن الحقيقة، بل ربما اقترب منها بطريقة مختلفة. فالحقيقة هنا ليست فقط ما حدث، بل ما شُعر به، وما تركه الحدث من أثرٍ نفسي واجتماعي. وإذا كانت اللقاءات التلفزيونية قد قدّمت "الواقعة" بصوت أصحابها، فإن المسلسل حاول أن يقدّم "الإحساس" بها عبر أدوات الفن.
إن المقارنة بين الشخصيات الحقيقية ونظيراتها في المسلسل تكشف عن جدلية عميقة بين التوثيق والتمثيل. فالتوثيق يسعى إلى نقل الواقع كما هو، بكل ما فيه من نقص وغموض، بينما يسعى التمثيل إلى إعادة بناء هذا الواقع بطريقة تجعل معناه أكثر وضوحًا وتأثيرًا. وبين هذين المسارين، يقف المشاهد – أو القارئ – أمام مهمة التأويل، محاولًا أن يلتقط ما هو مشترك بينهما: جوهر الحكاية.
في المحصلة، يمكن القول إن نرجس ليس مجرد عمل درامي مستوحى من حادثة حقيقية، بل هو محاولة لإعادة التفكير في العلاقة بين الحقيقة وصورتها. ومن خلال تجربتك في متابعة الواقع عبر عزيزة وإسلام، ثم مقارنته بما قدّمه المسلسل، تتضح تلك المسافة الدقيقة التي تفصل بين ما نعيشه، وما نرويه، وما نختار أن نتذكره.
إنها ليست مجرد مقارنة بين شخصيات، بل بين عالمين: عالم الحقيقة، حيث الألم غير قابل للتنظيم، وعالم الدراما، حيث يُعاد ترتيب هذا الألم ليُصبح قابلًا للفهم. وبينهما، تولد الحكاية من جديد.
من هنا، تكتسب تجربتك في مشاهدة اللقاءات التلفزيونية مع الشخصية الحقيقية للحادثة، عزيزة (المرأة التي تعرضت للتنمّر بسبب العُقم وقامت بجرائم خطف الأطفال) وابنها إسلام، قيمة نقدية خاصة؛ إذ تتيح هذه المشاهدة الوقوف على المسافة الفاصلة بين الواقع والدراما كما صيغت. وهذه المسافة ليست فجوة بالضرورة، بل هي حيزٌ إبداعي تتحرك فيه الرؤية الفنية.
في الواقع، تبدو عزيزة امرأة تحمل ثقل التجربة أكثر مما تحمل خطابها. حضورها في اللقاءات التلفزيونية لا يعتمد على البلاغة أو التمثيل، بل على صدق عفوي يتسلل من نبرة الصوت، من التردد أحيانًا، ومن الصمت أكثر مما يتسلل من الكلام. إننا أمام شخصية لا تصوغ ذاتها لتُقنع، بل لتُفرغ ما في داخلها. هذا الصدق الخام، الذي قد يبدو بسيطًا في ظاهره، هو في الحقيقة أحد أقسى أشكال التعبير، لأنه لا يستند إلى أدوات فنية، بل إلى تجربة حيّة لم تُهذّبها الدراما.
أما في المسلسل، فإن الشخصية المقابلة لعزيزة تخضع لعملية "تشذيب درامي". يتم اختيار اللحظات الأكثر تأثيرًا، وتُعاد صياغة الحوارات بحيث تحمل كثافة شعورية أكبر، وتُبنى الشخصية على نحوٍ أكثر وضوحًا في مواقفها وانفعالاتها. هنا تتحوّل المرأة من شاهدة على الألم إلى بطلة درامية تقود الحدث، ويُعاد توزيع ضعفها وقوتها بما يخدم البناء السردي. والنتيجة أن الشخصية الدرامية تبدو أكثر تماسكًا، لكنها في الوقت نفسه تفقد شيئًا من عفويتها الواقعية.
الأمر ذاته ينطبق على شخصية إسلام. ففي اللقاءات التلفزيونية، يظهر بوصفه شابًا يحمل أثر الحادثة في داخله، لا في كلماته فقط، بل في إيماءاته وصمته. هو ليس متحدثًا بارعًا، ولا يسعى إلى تقديم رواية مكتملة، بل يكتفي بإشارات متقطعة تكشف حجم ما مرّ به. إن حضوره أقرب إلى "الأثر" منه إلى "الشخصية"؛ أثرٌ لحدثٍ لم ينتهِ بعد.
في المقابل، يعيد المسلسل تشكيل هذه الشخصية ضمن منطق درامي يمنحها دورًا أكثر فاعلية. يتحوّل من شاهد صامت إلى عنصر مشارك في تطور الأحداث، تُكتب له حوارات تُعبّر عمّا لا يُقال في الواقع، ويُدفع أحيانًا إلى اتخاذ مواقف حاسمة تُسهم في تصعيد الحبكة. وهنا يظهر الفرق الجوهري بين الإنسان الحقيقي، الذي يعيش التناقض والتردد، والشخصية الدرامية، التي تُبنى غالبًا على وضوح نسبي في الدوافع والمسارات.
أما نرجس (ريهام عبد الغفور) في العمل الدرامي، فهي ليست مجرد شخصية، بل رمز. تتحوّل إلى تمثيل لحالة إنسانية أوسع: الضحية، أو البراءة المنتهكة، أو الحكاية التي تختصر معاناة مجتمع بأكمله. بينما في الواقع، تظل نرجس – بوصفها جزءًا من حادثة محددة – محكومة بسياقها الخاص، بتفاصيلها الدقيقة التي قد لا تحتمل هذا التعميم. وهنا تكمن إحدى أهم آليات الدراما: تحويل الخاص إلى عام، والفردي إلى رمزي.
من الناحية السردية، يعتمد المسلسل على بناء تصاعدي يُعيد ترتيب الأحداث بما يخلق توترًا مستمرًا، في حين أن الواقع – كما يظهر في اللقاءات – لا يسير وفق هذا النسق. فالحياة لا تعرف دائمًا الذروة الدرامية، ولا تُوزّع لحظاتها على نحوٍ متوازن بين الصعود والهبوط. لذلك، كان من الطبيعي أن يتدخل النص ليعيد تشكيل الزمن، فيضغط بعض اللحظات، ويمدّد أخرى، ويضيف أحيانًا أحداثًا لم تقع، لكنها تخدم المعنى العام.
ومع ذلك، لا يمكن القول إن العمل ابتعد عن الحقيقة، بل ربما اقترب منها بطريقة مختلفة. فالحقيقة هنا ليست فقط ما حدث، بل ما شُعر به، وما تركه الحدث من أثرٍ نفسي واجتماعي. وإذا كانت اللقاءات التلفزيونية قد قدّمت "الواقعة" بصوت أصحابها، فإن المسلسل حاول أن يقدّم "الإحساس" بها عبر أدوات الفن.
إن المقارنة بين الشخصيات الحقيقية ونظيراتها في المسلسل تكشف عن جدلية عميقة بين التوثيق والتمثيل. فالتوثيق يسعى إلى نقل الواقع كما هو، بكل ما فيه من نقص وغموض، بينما يسعى التمثيل إلى إعادة بناء هذا الواقع بطريقة تجعل معناه أكثر وضوحًا وتأثيرًا. وبين هذين المسارين، يقف المشاهد – أو القارئ – أمام مهمة التأويل، محاولًا أن يلتقط ما هو مشترك بينهما: جوهر الحكاية.
في المحصلة، يمكن القول إن نرجس ليس مجرد عمل درامي مستوحى من حادثة حقيقية، بل هو محاولة لإعادة التفكير في العلاقة بين الحقيقة وصورتها. ومن خلال تجربتك في متابعة الواقع عبر عزيزة وإسلام، ثم مقارنته بما قدّمه المسلسل، تتضح تلك المسافة الدقيقة التي تفصل بين ما نعيشه، وما نرويه، وما نختار أن نتذكره.
إنها ليست مجرد مقارنة بين شخصيات، بل بين عالمين: عالم الحقيقة، حيث الألم غير قابل للتنظيم، وعالم الدراما، حيث يُعاد ترتيب هذا الألم ليُصبح قابلًا للفهم. وبينهما، تولد الحكاية من جديد.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/04/11 الساعة 10:26