الماضي يكتب: لماذا حازم المجالي؟

الدكتور مشعل الماضي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/04/09 الساعة 09:35
تعيين حازم المجالي رئيسًا لـ هيئة النزاهة ومكافحة الفساد لا يمكن قراءته كإجراء إداري روتيني، بل كخيار يحمل دلالات مؤسسية عميقة، ويعكس في جوهره جدية الدولة، بقيادة الملك عبدالله الثاني بن الحسين، في الانتقال بمكافحة الفساد من مستوى الخطاب إلى مستوى الفعل المنهجي المنضبط.

فالرجل القادم من قلب القضاء العسكري، والمشبع بثقافة التحقيق وبناء الأدلة، لا يمثل مجرد تعيين لشخص، بل تجسيدًا لاتجاه يرى أن مصداقية أي منظومة رقابية تُقاس بقدرتها على تحويل الشبهات إلى قضايا مكتملة الأركان، قابلة للمساءلة أمام القضاء. هنا تحديدًا تتجلى فلسفة الاختيار: تعزيز أدوات الإنفاذ لا الاكتفاء بإدارة الملف.

ومع ذلك، فإن هذا الدور، على أهميته، يبقى محكومًا بإطار دستوري واضح؛ إذ إن الهيئة تضطلع بمهام التحري وجمع الأدلة وإحالة القضايا، لكنها لا تملك صلاحية إصدار الأحكام، التي تبقى حكرًا على السلطة القضائية. وهذا التمايز ليس تقنيًا فحسب، بل هو جوهر دولة القانون، حيث تتكامل الأدوار دون أن تتداخل الاختصاصات.

إن دلالة هذا التعيين تتجاوز شخص الرئيس إلى ما هو أبعد: رسالة بأن هناك إرادة سياسية عليا لإعادة ضبط معادلة النزاهة، عبر تمكين مؤسساتها بأدوات أكثر فاعلية، وبقيادات قادرة على العمل في بيئات معقدة تتداخل فيها الاعتبارات القانونية والإدارية. فمكافحة الفساد ليست فعلًا فرديًا، بل منظومة متكاملة تبدأ من الاشتباه، وتمر بالتحقيق، وتنتهي بحكم قضائي عادل.

في المحصلة، يختصر هذا التعيين تحوّلًا هادئًا لكنه عميق، مفاده أن سيادة القانون لم تعد مجرد مبدأ مُعلن، بل مسارًا عمليًا يتقدم بخطوات محسوبة، حيث تصبح الجدية في مكافحة الفساد معيارًا لقياس قوة الدولة، لا مجرد عنوان في خطابها.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/04/09 الساعة 09:35