تفريغ الجامعات...من إنتاج الفكر إلى إنتاج العجز...الحالة الاردنية (2 من 2)

الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/04/08 الساعة 22:45
بعد أن رسمنا في الجزء الأول ملامح الحروب الفكرية بوصفها صراعًا على الوعي والمعرفة قبل الأرض، تبدو الحالة الأردنية نموذجًا مكثفًا لكيف يمكن لاختلال التعليم أن يتحول إلى مسألة سيادية، في عالم تُعاد فيه صياغة القوة عبر المعرفة، لا عبر الجغرافيا وحدها.

يمتلك الأردن قاعدة تعليمية واسعة تتجاوز 480 ألف طالب في التعليم العالي وحده، غير أن هذه الاعداد، لم تتحول بعد إلى قوة إنتاجية حقيقية، بل بقيت في إطار كمي محدود الأثر. فالتحدي لم يعد في عدد المتعلمين، بل في كيفية توظيفهم وتحويلهم إلى قوة معرفية منتجة، في ظل مخرجات لا تزال محدودة التأثير في الاقتصاد الحقيقي، بما يعكس خللًا بنيويًا في الانتقال من التعليم ككمّ إلى التعليم كقيمة.

تتجلى هذه الأزمة بوضوح في فجوة سوق العمل، حيث ترتفع معدلات البطالة إلى أكثر من 21%، وتقارب 40% بين الشباب، وتتفاقم في بعض التخصصات الجامعية. وهو ما يكشف خللًا عميقًا في فلسفة التعليم التي تميل إلى إدارة الاستقرار بدل صناعة التحول. في هذا السياق، يتشكل ما يمكن تسميته بـ”التفريغ الناعم” للجامعات، حيث يجري الانتقال الصامت من إنتاج المعرفة إلى منح الشهادات، وإدارة الشكل، عندها لا يتم التركيز على بناء المستقبل، بل تأجيله.

ويتعمق هذا التفريغ حين تتحول الجامعات إلى مؤسسات تمنح الشهادات أكثر مما تنتج المعرفة، فتتكرر التخصصات المشبعة، وتتضخم برامج الدراسات العليا، أحيانًا دون بيئات بحثية راسخة وفاعلة ومنتجة. في مشهد يُنتج خريجين يحملون أوراقًا أكاديمية أكثر مما يحملون قيمة معرفية تنافسية. وهنا يبرز السؤال الجوهري، هل نحن بصدد بناء منظومة علمية وطنية، أم اقتصاد قائم على الشهادات؟ النتيجة واضحة، تضخم في الألقاب يقابله انكماش في القيمة، ومعرفة محدودة الأثر في الاقتصاد الحقيقي.

وفي قلب هذه المعادلة، تتراجع صرامة الجودة. فبدل أن تكون هيئة الاعتماد حارسًا للمعايير، تتحول في بعض الحالات إلى أطر إجرائية تركز على استيفاء الشروط الاقرب الى الشكلية (أعداد الطلبة وأعضاء الهيئة التدريسية والمساحات وغيرها، حسب التشريعات)، دون قياس الأثر الحقيقي لمخرجات مهارات التعليم والبحث العلمي. وهنا يحدث التحول من "إنتاج الحقيقة" إلى "إدارة الانطباع"، حيث يصبح هدف بعض الجامعات، اجتياز التقييم لا تحقيق الجودة، فتُختزل المعايير في أرقام، وتُهمّش الأسئلة المرتبطة بعمق المعرفة والقدرة على التفكير النقدي. وهنا يحدث التحول، ودون قصد، إلى جزء من منظومة "التفريغ الناعم". وبهذا، لا تعود الجودة أداة تطوير، بل إطارًا يشرعن الاستقرار الشكلي ويكافئ الامتثال.

غير أن الخلل الأعمق لا يقف عند البنية والتمويل أو التشريعات، بل يتجسد في طبيعة القيادة الأكاديمية بوصفها المحدد الحقيقي لاتجاه الجامعة. فالقيادة ليست موقعًا إداريًا، بل عقل استراتيجي. وعندما تصل بعض الإدارات إلى مواقعها عبر مسارات بيروقراطية أو شبكات مصالح، لا عبر مشروع معرفي وكفاءة مثبتة، وتاريخ من النزاهة العلمية، تتحول الجامعة إلى جهاز إداري منضبط ظاهريًا، لكنه فاقد للروح الفكرية(ادارة الاستمرار، وتسير الاعمال اليومية، لا صناعة رؤية مستقبلية). في هذه البيئة، يتشكل "الاستقرار الوهمي"، انتظام إداري يقابله تآكل معرفي صامت، وتُؤجل المبادرات النوعية لصالح السلامة الإجرائية، وتُكافأ ثقافة الامتثال بدل الكفاءة. الأخطر أن هذا النمط يعيد إنتاج نفسه، فتعمل المؤسسات، لكنها لا تفكر، وتُدرّس، لكنها لا تُنتج.وهنا تستبدل الأسئلة الكبرى، من كيف ننتج معرفة؟ وكيف ننافس عالميًا؟ الى أسئلة إدارية، فتبدأ عملية الانكماش الاستراتيجي.

ولفهم خطورة هذا المسار، يكفي النظر إلى تجارب دول نجحت في تحويل جامعاتها إلى محركات للاقتصاد، عبر ربط البحث العلمي بالصناعة والابتكار ضمن رؤية استراتيجية واضحة واختارت قيادات ذات كفاءة وعقلية تنافسية. هذه النماذج تؤكد أن القضية ليست نقص موارد، بل أزمة قيادة وإدارة وإرادة داخل المؤسسات. فالتعليم العالي ليس قطاعًا خدميًا، بل أداة مركزية لإنتاج القوة الوطنية.وفي غيابها، يصبح التراجع نتيجة طبيعية. ولفهم هذا الدور اكثر، يمكن العودة الى الى كتاب جوناثان كول، بعنوان جامعات عظيمة، وسلسلة مقالات سبق ان نشرتها في شهر اذار 2024، تحت عنوان "القيادات الاكاديمية والجامعات العظيمة".

وتنعكس هذه الاختلالات على كامل المنظومة التعليمية. فنتائج الاختبارات الدولية تشير إلى فجوات عميقة في المهارات الأساسية، مع نسب مرتفعة من الفاقد والفقر التعليمي (سبق وان كتبنا عنها تحت عنوان "من الفاقد الى الفقر التعليمي-نتائج الاختبارات الدولية تتحث"،7/12/2024). ما يعني أن الأزمة تبدأ في التعليم العام وتُستكمل في التعليم العالي، الذي يتحول إلى مؤسسة تعويض بدل إنتاج. ومع تراجع الجودة، واستبدال المهارات العميقة بمعارف اقرب ان تكون سطحية، يصبح الخريج حامل شهادة بلا قدرة حقيقية على التأثير أو المنافسة، ما يعمّق الفجوة بين التعليم وسوق العمل.هنا، لا يعود التعليم مسارًا لإنتاج المعرفة، بل آلية لإعادة إنتاج الشكل دون المضمون، والخريج حامل لشهادة بلا قدرة على الابتكار أو القيادة الفكرية.

في عالم باتت فيه المعرفة تشكل أكثر من 70% من القيمة المضافة للاقتصاد، فإن أي تراجع في إنتاجها يعني تراجعًا مباشرًا في موقع الدولة. وعند قراءة مؤشرات الفقر والفاقد التعليمي، وتراجع البحث العلمي، وضعف الابتكار، يتضح أن ما نواجهه ليس خللًا عابرًا، بل أزمة بنيوية تضرب في عمق المستقبل.

وهنا يبرز السؤال الصعب، أين كانت الإدارات التعليمية التي قادت هذا القطاع خلال السنوات الماضية؟ فالتجارب التاريخية تؤكد أن القيادات الأكاديمية الحقيقية هي الفاصل بين النجاح والفشل، وهي العقل الذي يحمي المؤسسة، ويصون الكفاءة من التهميش، ويخلق بيئة للفكر الحر والبحث الحقيقي. تحت هذه القيادات تتحول الجامعات إلى مصانع للنخب وقوى دافعة للمجتمع نحو التقدم، وفي غيابهايتحول التراجع من احتمال إلى نتيجة حتمية.

في هذا السياق، تبرز البيئة التشريعية، وفي مقدمتها مشروع قانون التربية والتعليم، بوصفها أداة لإعادة تعريف وظيفة التعليم. غير أن جوهر التحدي يبقى في الفلسفة التي تحكم هذه التشريعات، هل تُصاغ لتحرير العقل أم لضبطه؟ لأن الصياغة البيروقراطية، حتى وإن حملت عناوين إصلاحية، تعيد إنتاج التعليم كمنظومة امتثال، وتفرض مركزية تحدّ من الابتكار، وتُهمّش بناء العقل النقدي.

ومن هنا، يتقدم السؤال الاستراتيجي، هل نحن أمام إصلاح يعيد بناء فلسفة التعليم، أم مجرد إعادة هيكلة؟ فالإصلاح الحقيقي يبدأ من الفلسفة، أما الهيكلة دون تغيير جوهري فلا تعني أكثر من إدارة التراجع. ويزداد الخطر حين تتحول التشريعات إلى قيود على التميز، فتُكافأ الإجراءات بدل النتائج، ويُقيَّد الابتكار بدل أن يُحفَّز.

كما أن هذا المسار ينعكس مباشرة على التعليم العالي، إذ يحدد نوعية المدخلات إليه. فإذا استمر التعليم العام في إنتاج طلبة يفتقرون إلى المهارات الأساسية، ستبقى الجامعات مؤسسات تعويض لا إنتاج.

في المحصلة، يتبلور السؤال الجيوستراتيجي، هل نريد تعليمًا يُنتج "مواطنًا قادرًا"، يمتلك أدوات الفهم والتحليل وصناعة القرار، أم "فردًا قابلًا للإدارة"؟ الفارق بينهما هو الفارق بين دولة تُنتج القوة وأخرى تُعيد إنتاج التبعية.

هنا، تتضاعف أهمية هذا السؤال في ضوء التوجيهات الملكية المتكررة، منذ بداية القرن، لربط التعليم بسوق العمل وبناء مهارات المستقبل. غير أن الفجوة بين الرؤية الملكية والتنفيذ بقيت قائمة، لا بسبب نقص التشريعات، بل بسبب ضعف التطبيق، وأحيانًا بسبب بعض ادارات لم ترتقِ إلى مستوى التحدي. وهنا تتجلى الحقيقة بوضوح، المشكلة ليست في النص، بل في الفعل.

وعليه، فإن الرهان الحقيقي لا يجب أن يكون على ما كُتب، بل على كيف سيُفهم ويُطبّق. فالقوانين لا تُحدث أثرًا إن لم تتحول إلى ممارسات، ولا تُنتج تحولًا إن بقيت أسيرة بعض العقليات التي ادارت القطاع خلال السنوات الماضي. ومن هنا، يصبح مشروع القانون ساحة مواجهة بين اتجاهين،الاولسترى في التعليم مشروعًا استراتيجيًا لإنتاج القوة، وألاخي تتعامل معه كقطاع إداري.

تجارب دولية ناجحة، أثبتت أن الرهان الحقيقي قام على فلسفة تُعلي من قيمة السؤال، وتربط التعلم بالحياة، وتمنح المعلم والمؤسسة التعليمية استقلالية مسؤولة. في المقابل، فإن الأنظمة التي انشغلت بضبط التفاصيل دون تحرير الإطار نجحت في إنتاج أجيال قادرة على اجتياز الامتحانات، لكنها عاجزة عن مواجهة تعقيدات الواقع.

ورغم ذلك، لا يمكن اختزال المشهد في التشخيص السلبي. فالأردن يمتلك فرصة حقيقية لإعادة توجيه هذا القطاع، انطلاقًا من رؤية ودعم ملكي واضح، وقاعدة بشرية مؤهلة، وكفاءات قادرة على الفعل إذا توفرت لها البيئة المناسبة.المشكلة في جوهرها إدارية وثقافية، لا قدرية. ويمكن لهذه القاعدة أن تتحول إلى قوة استراتيجية إذا أُعيد الاعتبار لفكرة الجامعة كمركز لإنتاج المعرفة، وربط التعليم بالاقتصاد، وتحرير عقلية بعض القيادات (الادارات) الأكاديمية من القيود البيروقراطية، والامتثال، وشبكة العلاقات والخوف من القرار وبعض اصحاب النفوذ والابتعاد عن الشعبويات.

الأمم التي نجحت، لم تكن اذكى، بل اكثر صرامة في حماية معيار الكفاءة والجودة المعرفية. فالمجتمعات التي تتسامح مع الرداءة أو الحلول الجزئية، تفقد قدرتها على أن تصبح ما يمكن أن تكونه.

هناك، في القاعات التدريسة، او في المنصات الرقمية، وفي مكاتب الأكاديميين، وقرارات التعيين، يُكتب المستقبل، إما بعقول حرة قادرة على البناء، أو بأنظمة تعيد إنتاج نفسها.

واليوم، وفي لحظةٍ تاريخية تتكثّف فيها التحديات وتتشابك فيها الجبهات، سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، يبرز سؤال مقلق، أين غاب قادة الفكر؟ وأين دور الجامعات، في تفكيك القضايا الوطنية الكبرى وشرحها للرأي العام بعمق ومسؤولية؟ فغياب العقل الرصين في القضايا الوطنية الكبرى، من التشريعات الاقتصادية إلى الأزمات الجيوسياسية، يفتح المجال لخطابات مشتتة وانفعالات آنية. فعلى سبيل المثال، كيف يمكن لقانون بحجم وأثر قانون الضمان الاجتماعي أن يمرّ في الفضاء العام دون نقاش علمي رصين يوازن بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية؟ ويشرح لطلبة الجامعات، وهم مستقبل المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي. وكيف يمكن لأزمة إقليمية معقّدة، الحرب الامريكية الاسرائيلية الإيرانية، وانعكاساتها المباشرة على الأردن؟ أن تُختزل في آراء متباينة حدّ التناقض، بينما نحن أمام واقعٍ شهد اعتداءات ايرانية، طالت الأرض الأردنية ذاتها؟ وهل من المقبول أن ينقسم الرأي العام، حتى ولو جزئيًا، حول موقفٍ يفترض أنه بديهي حين يتعلق الأمر بالسيادة الوطنية؟ وأين المؤسسات الأكاديمية، من توعية طلبة الجامعات والمجتمع، بخطورة الحياد في قضايا تمسّ الأمن الوطني مباشرة؟ وهل جرى فتح حوارات جادّة تشرح تعقيدات المشهد، وتضع الطلبة أمام مسؤولياتهم كمواطنين لا كمراقبين؟ وهل بُذلت الجهود الكافية لشرح الرؤية السياسية للدولة، وقراءة مواقف الملك، وحكمته وقدرته على الموازنة بين الضغوط الدولية والاقليمية، وضغوط الداخل من ازمات اقتصادية، وامنية على الحدود، وما يجري في الاراضي الفلسطينية، في محيط إقليمي مضطرب؟ ولماذا تُركت الساحة لخطابات مشتتة، وانفعالات آنية، وتفسيرات مجتزأة؟

الأردن، بتاريخه ودوره وحساسيته الجيوسياسية، أكبر من أن يُختزل في اجتهادات فردية أو اصطفافات عاطفية؛ وهو اليوم أحوج ما يكون إلى عقلٍ جمعي يقوده الفكر المسؤول، لا الصمت، ويحصّنه الوعي، لا الارتباك.

وهنا يصبح غياب قادة الفكر خطرًا بحد ذاته، لأن حماية الدولة لا تبدأ من الأدوات الأمنية، بل من بناء عقل جمعي قادر على الفهم والتحليل. الجامعات يفترض أن تكون منصات للنقاش العميق، لا مؤسسات صامتة على هامش التحولات.

في النهاية، لا يتعلق الأمر بجودة القوانين أو كفاءة الإدارة فقط، بل بقدرة الدولة على إنتاج عقل يفهم لا عقل يتكيف. فالدول لا تُهزم حين تخسر معركة، بل حين تفقد قدرتها على إنتاج العقول التي تفهم لماذا تخسر، وكيف تنتصر.

السيطرة على الأرض تصنع قوة، لكن السيطرة على العقول، هي التي تصنع التاريخ.

الأردن يمتلك من المقومات ما يؤهله ليكون في موقع أفضل بكثير مما هو عليه. التحدي ليس في نقص الموارد، بل في كيفية إدارتها، وفي القدرة علىاتخاذ قرارات جريئة، وربط كل موقع بالإنجاز الحقيقي.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/04/08 الساعة 22:45