عباسي تكتب: القوة التي دمّرت نفسها

عهد عباسي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/04/08 الساعة 20:01
هناك صراع لا يُرى بالعين المجردة، و تُعلن عنه الطائرات و تُسمع صفاراته في المدن، ولكنه يثقل الحياة اليومية لكل من يعيش في قلب الشرق الأوسط، والمواجهة المكشوفة بين إيران وإسرائيل ليس مجرد حرب، بل هى رقصة بطيئة من التوتر والرهبة، من الخوف والانتظار، حيث تتشابك القوة والضعف، ويصبح كل شيء حتى الهواء، جزءاً من المعركة.

وإيران، بهدوئها الظاهر، تقدم نفسها واضحة، صريحة، تعرف من هي ومن هم خصومها، وما تريد أن تحميه، وخطابها مباشر، يحدد الحدود والمخاطر، يرفض أن يغلق عينيه عن الواقع أو يضخ الأساطير لتجميل موقفه، والقوة هنا ليست في صواريخها فقط، بل في صرامة وضوحها، وفي صلابة رسالتها التي تترك أثرها حتى على خصومها.

وإسرائيل، على الطرف الآخر، تعيش في ظل جبروت زائف، منذ سنوات من الهيبة المطلقة صنعت صورة قوة لا تُقهر، لكن الواقع بدأ يكشف هشاشتها، والميدان العسكري لم يعد يثبت هذه الأسطورة، والصراع الإعلامي يظهر أوجه الضعف، والروايات تتسرب، الصور تتكشف، العالم يرى أكثر مما يُسمح له برؤيته، وكل جولة تصعيد تكشف فجوة بين ما يُقال وما يحدث، وكل قرار سياسي متسرع يزيد التناقض ويعمّق الانكسار.

وهنا يظهر البعد الرمزي سرديات اليهودية العماليق القديمة تتكرر، ليس حرفياً، بل كمرآة تحاكي مصير القوة المطلقة التي تعتقد أنها لا تُقهر، وكل هيمنة تتضخم داخل نفسها، كل جبروت يُفترض أنه مطلق، يبدأ بالاستنزاف من الداخل، وهكذا، ما كان يُعتبر أسطورة القوة يتحول تدريجياً إلى عبء ثقيل يثقل كل خطوة وكل قرار.

الخسارة الإسرائيلية لا تقتصر على الميدان فقط،و في الإعلام والسياسة، معاً، كشفا عن ضعف الاستراتيجية، عن عدم القدرة على إدارة السرد، وعن اتخاذ قرارات تفتقر أحياناً إلى المنطق أو البعد الإنساني، بينما إيران تحافظ على وضوح رسالتها، وإسرائيل تراوح بين الصورة والزيف، بين السيطرة والمفارقة، وتبدأ قوة كانت تبدو مطلقة بالتآكل أمام عيون العالم.

وفي ظل التحولات الرقمية المتسارعة، لم تعد الصراعات تُخاض فقط بالسلاح التقليدي، بل انتقلت إلى الفضاء الإلكتروني حيث تُدار حروب صامتة عبر المعلومات والتأثير النفسي، و في هذه المعارك غير المرئية، تُستغل الانقسامات الدينية والهوياتية داخل المجتمعات العربية كوسيلة لإضعاف التماسك الداخلي وإنتاج حالة دائمة من الاستقطاب.

وهذه الحروب لا تخلّف دمارًا ماديًا واضحًا، لكنها تترك أثرًا أعمق يتمثل في تآكل الثقة المجتمعية وتعزيز الهشاشة من الداخل، ومع ذلك، فإن كشف آليات التأثير ورفع مستوى الوعي العام يشكّلان عاملًا أساسيًا في تقويض هذه الاستراتيجيات، إذ يفقد التأثير قوته عندما يُفهم وتُكشف أدواته.

وفي النهاية، تنحدر القوة إلى سراب

ليس حين تُهزم في معركة واحدة، بل حين يتفكك معناها من الداخل، فكل شيء مترابط الميدان، الإعلام، السياسة، الفضاء الرقمي، وحتى القلق اليومي للمواطن، وعندما تفقد القوة انسجامها ويتصدّع خطابها، تتحول استراتيجيتها إلى عبء عليها، وتبدأ في تقويض ذاتها بذاتها.

والانكسار لا يولد فجأة، إنه مسار طويل من الحسابات الخاطئة، والارتباك، وسوء قراءة الواقع، ومع كل خطوة خاطئة تتآكل الهيبة، حتى تكتشف الأسطورة، وبعد فوات الأوان، أنها وصلت إلى قاعها بيديها لا بأيدي خصومها.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/04/08 الساعة 20:01