قرقودة تكتب: هل توقفت الحرب حقاً؟

تغريد جميل قرقودة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/04/08 الساعة 14:25
حين يُعلن عن “وقف الحرب”، يبدو المشهد وكأن العالم قد التقط أنفاسه أخيرًا، وكأن الضجيج قد خفت، والدم قد جفّ، والقلق قد انسحب من وجوه الناس. لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا من هذا الهدوء الظاهري؛ فالحروب لا تنتهي ببيان، ولا تُطوى بقرار، بل غالبًا ما تغيّر شكلها فقط، وتعيد ترتيب نفسها في صمتٍ أشد خطورة من صوت المدافع.

وقف الحرب، في المفهوم السياسي والاستراتيجي والعسكري، لا يعني نهايتها بقدر ما يعني انتقالها من طورٍ مكلف إلى طورٍ محسوب. فالدول لا تدخل الحروب عبثًا، ولا تخرج منها بسهولة، بل تُعلّقها عندما تعيد قراءة موازين القوة، وتُدرك أن الاستمرار لم يعد يحقق مكاسب إضافية. لذلك، ما يُسمّى بوقف الحرب هو في كثير من الأحيان هدنة تكتيكية، تُمنح فيها الأطراف فرصة لإعادة التموضع، وترميم القدرات، وإعادة صياغة الأهداف بما يتلاءم مع المعطيات الجديدة.

أما السؤال الأهم: هل توقّفت الحرب فعلًا؟

الجواب الواقعي: في الغالب، لا.

قد تتوقف العمليات العسكرية المباشرة، لكن الحرب تستمر بأشكال أخرى؛ اقتصادية، إعلامية، سيبرانية، وحتى نفسية. فالحرب الحديثة لم تعد محصورة في ساحات القتال، بل انتقلت إلى العقول والأسواق ومناطق النفوذ.

ومن يستطيع إيقاف الحرب؟

ليس طرفًا واحدًا، بل توازن معقّد بين الإرادات. القوى الكبرى، عبر الضغط السياسي أو التفاهمات غير المعلنة، تلعب الدور الحاسم، بينما تُجبر الأطراف المتنازعة على القبول بواقعٍ لا يعكس طموحاتها بقدر ما يعكس حدود قدرتها. وفي هذا السياق، فإن تمويل وقف الحرب لا ينفصل عن تمويلها؛ فالدول والمؤسسات التي تضخ الأموال لإعادة الإعمار أو دعم الاستقرار، إنما تفعل ذلك لحماية مصالحها وضمان عدم انفلات المشهد، لا بدافع إنساني خالص كما يُروّج أحيانًا.

أما الحديث عن اتفاق حقيقي بين إيران وإسرائيل على وقف الحرب، فهو أبعد من أن يكون واقعًا مُعلنًا. ما يجري هو إدارة دقيقة للصراع، تقوم على الردع المتبادل وضبط الإيقاع دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة؛ حالة “لا حرب ولا سلام”، تُبقي التوتر قائمًا ضمن حدود محسوبة.

وفي قراءةٍ أعمق، لا يبدو وقف الحرب نهايةً للصراع، بل إعادة تعريفٍ له؛ إذ تتحول المعركة من صوتٍ مسموع إلى تأثيرٍ غير مرئي، ومن مواجهةٍ مباشرة إلى نفوذٍ ممتد في الاقتصاد والإعلام ومراكز القرار. وهنا يصبح الهدوء ذاته أداةً من أدوات الصراع، وتغدو النتائج تُكتب بصمتٍ أشد وقعًا من ضجيج السلاح. وكأن الحرب، في جوهرها، لا تموت… بل تتقن فنّ الاختفاء.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/04/08 الساعة 14:25