الخصاونة يكتب: الاستثمار في التعليم يقهر شُحّ الموارد

د. عبدالله الخصاونة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/04/07 الساعة 12:40
في عالمٍ تتلاطم فيه أمواج الأزمات، وتتسارع فيه وتيرة التحوّلات، لم يعد التعليم ترفًا فكريًا ولا خيارًا مؤجّلًا، بل صار قِوام النهضة وعماد البقاء؛ حتى تقوم لنا قائمة بين الأمم. فالأوطان التي تُحسن الاستثمار في العقول، إنما تُشيّد مستقبلها بيدٍ ثابتة، وتخطّ طريقها بثقةٍ نحو الريادة، مهما اشتدّت العواصف وتعاظمت التحديات.

لقد أثقلت كاهل العالم أزماتٌ متتابعة؛ اقتصادية وصحية وتقنية، فجاءت جائحة كوفيد-19 لتكشف هشاشة الأنظمة التعليمية التقليدية، وتفرض واقعًا جديدًا يقتضي إعادة النظر في أدوات التعليم وأساليبه. غير أنّ هذه التحديات، على قسوتها، أضحت فرصةً لإعادة البناء، والانطلاق نحو تعليمٍ أكثر مرونةً وشمولًا وابتكارًا.

إنّ الاستثمار في التعليم ليس مجرد إنفاقٍ مالي، بل هو رؤيةٌ استراتيجية تُعلي من شأن الإنسان، وتُنمّي قدراته، وتُحرّر طاقاته الكامنة. فكلّ مدرسةٍ تُبنى، وكلّ معلّمٍ يُمكَّن، وكلّ طالبٍ يُمنح فرصةً عادلة، إنما هو لبنةٌ في صرح أمةٍ لا تُهزم. والتعليم القادر على مواكبة العصر هو ذاك الذي يجمع بين المعرفة والمهارة، بين القيم والتقنية، فيصوغ إنسانًا واعيًا، قادرًا على الفهم والإبداع والمنافسة.

ولعلّ التحدّي الأكبر لا يكمن في قلة الموارد فحسب، بل في كيفية إدارتها وتوجيهها نحو الأولويات الحقيقية. فالأمم التي نجحت لم تكن أغناها موارد، بل أحسنها توظيفًا لما تملك، وأصدقها إيمانًا بأن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأبقى.

وحتى تقوم لنا قائمة، لا بدّ من ترسيخ ثقافة التعلم المستمر، وتعزيز الشراكة بين الدولة والمجتمع، والانفتاح على التجارب العالمية الرائدة دون التفريط بالهوية. فالتعليم هو الجسر الذي نعبر به من واقع التحديات إلى أفق الإمكانات، وهو السلاح الذي نواجه به الجهل والتخلّف، ونصنع به غدًا يليق بأحلامنا.

فإذا أردنا لأنفسنا مكانًا تحت شمس المستقبل، فلن يكون ذلك إلا بعقولٍ متعلّمة، وقلوبٍ مؤمنة، وإرادةٍ لا تلين… حتى تقوم لنا قائمة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/04/07 الساعة 12:40