العمرو يكتب: تنظيمات أكلت إدام قضيتها
مدار الساعة ـ نشر في 2026/04/05 الساعة 14:51
تكبر القضايا العادلة حين تبقى في يد الناس، وتذبل حين تختطفها البنى العقائدية وتحوّلها إلى رافعة نفوذ ومخزن شرعية؛ تلك هي المأساة التي ألمّت بفلسطين في مراحل كثيرة؛ لم تهزمها وتحتلها إسرائيل وحدها، بل أنهكها أيضاً من ادّعوا احتكار النطق باسمها، ثم راحوا يقتاتون سياسياً وأخلاقياً على مأساتها حتى صار الشعار بديل عن البوصلة، والهتاف ستار يحجب الفاتورة البشرية الهائلة.
القضية الفلسطينية لم تفقد عدالتها يوما، لكن كثير من التنظيمات أفسدوا موقعها الرمزي حين انتزعوها من سياقها التحرري، وزجّوا بها في أسواق المزايدة والمحاور الإقليمية؛ هنا تحديداً يظهر ما يمكن تسميته بـإقتصاد المظلومية؛ كلما رفع فاعل ما راية القدس، طُويت سجلاته الأخرى، وتراجعت مساءلته، وانكفأت الذاكرة العامة أمام جلال الشعار؛ بهذه الآلية جرى تبييض فصائل، وتدوير أنظمة، وتلميع ميليشيات، رغم أن بنادقها لم تكن دائماً مصوبة إلى الاحتلال، بل انحرفت مراراً نحو العواصم العربية والمخيمات والسكان الذين قيل إنهم حواضن طبيعية للقضية.
من عمّان إلى بيروت، ومن الكويت إلى بغداد ودمشق وصنعاء، تراكمت وقائع لا يمكن دفنها تحت السجاد الإنشائي؛ فصائل رفعت راية التحرير تعاملت مع الجغرافيا العربية بوصفها ساحات سائبة، لا دول ذات سيادة ومجتمعات لها حساسياتها وحقوقها؛ وأنظمة رفعت لواء الممانعة لم تتورع عن حصار الفلسطيني حين تعارض حضوره مع مقتضيات الأمن السلطوي؛ وميليشيات جعلت القدس لازمة خطابية ثابتة، بينما كانت تبني نفوذها الفعلي فوق أنقاض مدن عربية وتمزقات طائفية وانهيارات وطنية متلاحقة.
المعضلة الأعمق ليست فقط في نفاق هذا السلوك، بل في البيئة الثقافية التي كافأته؛ فقد نشأت ذهنية جديدة تعتبر مجرد إعلان العداء لإسرائيل شهادة طهرانية كاملة، كأن التاريخ يُمحى ببيان، وكأن الدم العربي يصبح تفصيل هامشي متى خرج من فوهة بندقية ترفع لافتة فلسطين؛ بهذه الخفة المعيارية أُعيد تعريف الأصدقاء والخصوم، لا وفقاً لأثرهم الفعلي في حياة الناس، بل وفقاً لقدرتهم على استثمار الرمز الفلسطيني.
لذلك لم يكن مستغرباً أن تنال شخصيات من خارج أي سياق نضالي مكانةً أخلاقيةً مستجدة لمجرد نطقها بالجملة المطلوبة؛ تكفي عبارة عاطفية من اسم مثير للجدل مثل قاسم سليماني حتى يُمنح صك عبور إلى وجدان الغاضبين، وكأن القضية تحولت إلى ماكينة إعادة تأهيل علني؛ الأشد مرارة أن بعض الحركات والتنظيمات التي ادّعت حماية فلسطين أسهمت، بقصد أو بعمى أيديولوجي، في تضييق الأفق الفلسطيني نفسه؛ جعلت السلاح غاية، وربطت القرار الوطني بأجندات ممولين، ودفعت المجتمع الفلسطيني إلى أثمان فادحة من دون مراجعة حقيقية لمعادلة الكلفة والنتيجة.
هكذا صارت القضية في أيديهم، مادة استنزاف لا مشروع خلاص؛ تُنتج بطولة لغوية، وتترك وراءها مدن مهدمة، ونسيج اجتماعي ممزق، ومستقبل مؤجل إلى أجل غير معلوم؛ ليست الخيانة في نقد هذه التنظيمات فقط، بل الخيانة في الإصرار على إعفائها من الحساب؛ فالقضايا العظيمة لا يحرسها التصفيق الأعمى و اجندات لأنظمة دكتاتورية، وإنما يحرسها العقل الأخلاقي الصارم، والتمييز بين عدالة المطلب وانحراف ممثليه؛ فحين تأكل التنظيمات إدام قضيتها، لا تبقي للشعوب سوى القشرة؛ قداسة مصطنعة، أرشيف مثقوب، وخراب يتراكم باسم التحرير؛ هنا بالضبط يبدأ واجب الفرز، لا ضد فلسطين، بل دفاعاً عنها من محترفي الاتجار بها.
القضية الفلسطينية لم تفقد عدالتها يوما، لكن كثير من التنظيمات أفسدوا موقعها الرمزي حين انتزعوها من سياقها التحرري، وزجّوا بها في أسواق المزايدة والمحاور الإقليمية؛ هنا تحديداً يظهر ما يمكن تسميته بـإقتصاد المظلومية؛ كلما رفع فاعل ما راية القدس، طُويت سجلاته الأخرى، وتراجعت مساءلته، وانكفأت الذاكرة العامة أمام جلال الشعار؛ بهذه الآلية جرى تبييض فصائل، وتدوير أنظمة، وتلميع ميليشيات، رغم أن بنادقها لم تكن دائماً مصوبة إلى الاحتلال، بل انحرفت مراراً نحو العواصم العربية والمخيمات والسكان الذين قيل إنهم حواضن طبيعية للقضية.
من عمّان إلى بيروت، ومن الكويت إلى بغداد ودمشق وصنعاء، تراكمت وقائع لا يمكن دفنها تحت السجاد الإنشائي؛ فصائل رفعت راية التحرير تعاملت مع الجغرافيا العربية بوصفها ساحات سائبة، لا دول ذات سيادة ومجتمعات لها حساسياتها وحقوقها؛ وأنظمة رفعت لواء الممانعة لم تتورع عن حصار الفلسطيني حين تعارض حضوره مع مقتضيات الأمن السلطوي؛ وميليشيات جعلت القدس لازمة خطابية ثابتة، بينما كانت تبني نفوذها الفعلي فوق أنقاض مدن عربية وتمزقات طائفية وانهيارات وطنية متلاحقة.
المعضلة الأعمق ليست فقط في نفاق هذا السلوك، بل في البيئة الثقافية التي كافأته؛ فقد نشأت ذهنية جديدة تعتبر مجرد إعلان العداء لإسرائيل شهادة طهرانية كاملة، كأن التاريخ يُمحى ببيان، وكأن الدم العربي يصبح تفصيل هامشي متى خرج من فوهة بندقية ترفع لافتة فلسطين؛ بهذه الخفة المعيارية أُعيد تعريف الأصدقاء والخصوم، لا وفقاً لأثرهم الفعلي في حياة الناس، بل وفقاً لقدرتهم على استثمار الرمز الفلسطيني.
لذلك لم يكن مستغرباً أن تنال شخصيات من خارج أي سياق نضالي مكانةً أخلاقيةً مستجدة لمجرد نطقها بالجملة المطلوبة؛ تكفي عبارة عاطفية من اسم مثير للجدل مثل قاسم سليماني حتى يُمنح صك عبور إلى وجدان الغاضبين، وكأن القضية تحولت إلى ماكينة إعادة تأهيل علني؛ الأشد مرارة أن بعض الحركات والتنظيمات التي ادّعت حماية فلسطين أسهمت، بقصد أو بعمى أيديولوجي، في تضييق الأفق الفلسطيني نفسه؛ جعلت السلاح غاية، وربطت القرار الوطني بأجندات ممولين، ودفعت المجتمع الفلسطيني إلى أثمان فادحة من دون مراجعة حقيقية لمعادلة الكلفة والنتيجة.
هكذا صارت القضية في أيديهم، مادة استنزاف لا مشروع خلاص؛ تُنتج بطولة لغوية، وتترك وراءها مدن مهدمة، ونسيج اجتماعي ممزق، ومستقبل مؤجل إلى أجل غير معلوم؛ ليست الخيانة في نقد هذه التنظيمات فقط، بل الخيانة في الإصرار على إعفائها من الحساب؛ فالقضايا العظيمة لا يحرسها التصفيق الأعمى و اجندات لأنظمة دكتاتورية، وإنما يحرسها العقل الأخلاقي الصارم، والتمييز بين عدالة المطلب وانحراف ممثليه؛ فحين تأكل التنظيمات إدام قضيتها، لا تبقي للشعوب سوى القشرة؛ قداسة مصطنعة، أرشيف مثقوب، وخراب يتراكم باسم التحرير؛ هنا بالضبط يبدأ واجب الفرز، لا ضد فلسطين، بل دفاعاً عنها من محترفي الاتجار بها.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/04/05 الساعة 14:51