القضاة يكتب: شذرات عجلونية (66)
مدار الساعة ـ نشر في 2026/04/02 الساعة 21:14
ألا حيّها عجلون من بُرْدَةِ الهوى أسامرها بدرًا؛ فترسمني شمســا
القراء الأعزاء؛ أسعد الله أوقاتكم بكل خير، أينما كُنتُم، وحيثما ، نتذاكر معًا في شذراتي العجلونية، حيث تحمل كل شذرة فكرة في شأنٍ ذي شأن، ننطلق من عجلون العنب والذَّهب، عجلون الحُبِّ والعتب؛ لنطوف العالم بشذراتنا، راجيًا أن تستمتعوا بها، وتجدوا فيها ما يثير الفكر والوجدان.
ترصد هذه الشذرة جانبًا من فصول الصراع والعبث الإيراني في الوطن العربي، على أن تتبعها الشذرة (67) استكمالًا لكشف هذه الجرائم المتواصلة والمتصاعدة.
صراع النفوذ الإقليمي… والعرب هم الفاتورة
تعتمل في الشرق الأوسط مواجهةٌ لا يمكن اختزالها في ثنائية "الصديق والعدو" التبسيطية، بل هي صراع نفوذٍ محتدم بين قوىً تتنازع الهيمنة على المنطقة، بينما يدفع العربُ كلفة هذا الاشتباك المفتوح.
إنَّ تباين الشعارات لا يحجب حقيقةً جوهرية، وهي أنَّ كلا المشروعين يتحرك ضمن أجندات توسعية تُعلن عن نفسها صراحةً، أو تُفرض كأمرٍ واقعٍ على الأرض؛ فإبراز ممارسات أحدهما لا يمنح الآخر صك براءة، بل يكشف تشابهاً في المآلات وإن اختلفت الأدوات، وهنا تكمن المعضلة؛ إذ ينجرف البعض نحو اصطفافات عاطفية، غافلين عن أن هذه الصراعات لا تُدار لصالحهم، بل تُبنى على حسابهم.
لقد برهنت الوقائع أنَّ التعويل على أي مشروعٍ خارجي -مهما تزيَّى بمسوحِ الدين أو الشعارات السياسية- لم يورث الجغرافيا العربية أمناً ولا استقراراً، بل أذكى نيران الانقسام، وشرع الأبواب أمام أنماطٍ مستحدثة من الهيمنة.
إنَّ الموقف الأكثر سداداً لا يتجلى في تبرير خطايا طرف، أو شيطنة آخر بـ"انتقائيةٍ أيديولوجية"، بل في الإدراك اليقيني بأنَّ كلاهما لا يمثل مصلحةً عربيةً حقيقية، وأن الوعي الوطني هو المتراس الأول في مواجهة هذه المشاريع.
أما الاستمرار في الارتهان، أو تبرير التدخلات، فليس سوى إعادة إنتاجٍ للأزمة بصورٍ شتى، يظل المواطن العربي فيها هو الطرف الذي يسدد الثمن مرةً تلو أخرى.
جنون العظمة وأحلام اليقظة (الصفوية)
لم تعد إيران مجرد دولة في المنطقة، بل صارت آلة تدمير شاملة تهدد معظم الدول العربية دون استثناء. ولم تسلم أي دولة من تدخلاتها وأفعالها المدمرة، حتى تلك التي كانت تربطها بها علاقات ودية مثل سلطنة عُمان، التي ظلت طوال تاريخها دولة محايدة، ملتزمة بالإصلاح والتهدئة، وغير متورطة في أي صراع إقليمي، إلا في حالة الإصلاح ذات البين، ورعاية مصالحها الوطنية، أو جهود التهدئة.
تسعى إيران مباشرة لتوسيع نفوذها عبر حجج واهية حول القواعد الأجنبية، بينما تمتلك هي قواعد وأتباعًا منقادين لها بطاعة عمياء في العراق وفي سوريا وفي لبنان وفي اليمن وفي جميع دول الخليج العربي، يأتمرون بأمرها دون استثناء.
يعكس هذا السلوك جنون العظمة الصفوي وأحلام اليقظة الإيرانية، ويشكل تهديدًا مباشرًا لأمن واستقرار المنطقة بأسرها، ويثبت أن أطماع طهران ليست نظرية، أو جزئية، بل هي طموحات توسعية واضحة ومعلنة. تمامًا كما هي أطماع إسرائيل الحالية بالتوسع إلى ما يسمى بإسرائيل الكبرى بين النيل والفرات، مما يجعل من الضروري للعرب أن يميزوا بين مصالحهم الوطنية وأطماع هذين الطرفين المتنافسين في المنطقة.
تقاطع مصالح.. (الثالوث القذر).. والعرب يدفعون الثمن
تشكل الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل -بصورةٍ براغماتية- ثالوثاً استراتيجياً يحدد ملامح الصراعات في المنطقة؛ إذ تتقاطع مصالحهم تارةً ليجني أحدهم الثمار، ويتصادمون تارةً أخرى فتستحيل المواجهة دماراً يطال كل ما حولهم، وفي كلتا الحالتين يظل العرب هم الطرف الأكثر تضرراً، هذا "الثالوث" -رغم التباينات العلنية الحادة- يلتقي دائماً عند نقطة إدارة النفوذ وتوسيع رقعة السيطرة على حساب شعوب المنطقة ومقدراتها.
وحتى في ذروة الصراعات المعلنة، برزت وقائع موضوعية تكشف عن تقاطعاتٍ خفية للمصالح؛ فخلال الحرب الإيرانية–العراقية (1980–1988)، ورغم حالة العداء الظاهرة بين طهران وتل أبيب، طفت على السطح شواهدُ دعمٍ مباشر شملت توريد أسلحة ومعدات عسكرية، وتبادلاً للمعلومات الاستخباراتية، وتنسيقاً خفياً في بعض المفاصل؛ وكان الهدف المضمر هو الحيلولة دون انتصار العراق بقيادة الشهيد صدام حسين، الذي كان يُنظر إليه كمهددٍ استراتيجي للمصالح الإسرائيلية في الخليج والمنطقة برمتها.
إن هذه الوقائع تبرهن على أن الحسابات الاستراتيجية العميقة غالباً ما تتجاوز سقف الخطابات الرسمية الموجهة، بينما يظل العرب هم من يسدد الفاتورة الأكبر في هذا الصراع المركب.
جرائم إيران المتواصلة في العالم العربي
استهلت إيران عدوانها الممنهج على الجغرافيا العربية منذ عقود؛ فكانت البداية باحتلال إمارة "الأهواز" العربية (الإمارة الكعبية) عام 1925، وما تزال ترزح تحت الاحتلال حتى يومنا هذا، في صراعٍ يمتد لأكثر من مائة عام ضمن مسعىً محموم للهيمنة الإقليمية.
ولم تقف الأطماع الإيرانية عند هذا الحد، بل استغلت ظروف المنطقة عام 1971 لتفرض سيطرتها على الجزر الإماراتية الثلاث: (طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسى)، مواصلةً استراتيجية التمدد في دول الخليج العربي. ففي عام 1996، شهدت مملكة البحرين محاولة لزعزعة استقرارها والسيطرة عليها في عهد الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة -رحمه الله- إلا أنها باءت بالفشل، وتكررت المحاولةُ عام 2011 مستفيدةً من خلاياها وأتباعها لإثارة الفوضى وتقويض السلم الأهلي، لكنها انكسرت مجدداً أمام اليقظة الوطنية؛ مما يؤكد التصميم الإيراني المستمر على التدخل في الشؤون العربية واستلاب الأراضي والمقدرات.
الدكتور علي منعم القضاة
أستاذ مشارك في الصحافة والإعلام الرقمي
E-mail:dralialqudah2@gmail.com
Mob: +962 77 77 29 878
القراء الأعزاء؛ أسعد الله أوقاتكم بكل خير، أينما كُنتُم، وحيثما ، نتذاكر معًا في شذراتي العجلونية، حيث تحمل كل شذرة فكرة في شأنٍ ذي شأن، ننطلق من عجلون العنب والذَّهب، عجلون الحُبِّ والعتب؛ لنطوف العالم بشذراتنا، راجيًا أن تستمتعوا بها، وتجدوا فيها ما يثير الفكر والوجدان.
ترصد هذه الشذرة جانبًا من فصول الصراع والعبث الإيراني في الوطن العربي، على أن تتبعها الشذرة (67) استكمالًا لكشف هذه الجرائم المتواصلة والمتصاعدة.
صراع النفوذ الإقليمي… والعرب هم الفاتورة
تعتمل في الشرق الأوسط مواجهةٌ لا يمكن اختزالها في ثنائية "الصديق والعدو" التبسيطية، بل هي صراع نفوذٍ محتدم بين قوىً تتنازع الهيمنة على المنطقة، بينما يدفع العربُ كلفة هذا الاشتباك المفتوح.
إنَّ تباين الشعارات لا يحجب حقيقةً جوهرية، وهي أنَّ كلا المشروعين يتحرك ضمن أجندات توسعية تُعلن عن نفسها صراحةً، أو تُفرض كأمرٍ واقعٍ على الأرض؛ فإبراز ممارسات أحدهما لا يمنح الآخر صك براءة، بل يكشف تشابهاً في المآلات وإن اختلفت الأدوات، وهنا تكمن المعضلة؛ إذ ينجرف البعض نحو اصطفافات عاطفية، غافلين عن أن هذه الصراعات لا تُدار لصالحهم، بل تُبنى على حسابهم.
لقد برهنت الوقائع أنَّ التعويل على أي مشروعٍ خارجي -مهما تزيَّى بمسوحِ الدين أو الشعارات السياسية- لم يورث الجغرافيا العربية أمناً ولا استقراراً، بل أذكى نيران الانقسام، وشرع الأبواب أمام أنماطٍ مستحدثة من الهيمنة.
إنَّ الموقف الأكثر سداداً لا يتجلى في تبرير خطايا طرف، أو شيطنة آخر بـ"انتقائيةٍ أيديولوجية"، بل في الإدراك اليقيني بأنَّ كلاهما لا يمثل مصلحةً عربيةً حقيقية، وأن الوعي الوطني هو المتراس الأول في مواجهة هذه المشاريع.
أما الاستمرار في الارتهان، أو تبرير التدخلات، فليس سوى إعادة إنتاجٍ للأزمة بصورٍ شتى، يظل المواطن العربي فيها هو الطرف الذي يسدد الثمن مرةً تلو أخرى.
جنون العظمة وأحلام اليقظة (الصفوية)
لم تعد إيران مجرد دولة في المنطقة، بل صارت آلة تدمير شاملة تهدد معظم الدول العربية دون استثناء. ولم تسلم أي دولة من تدخلاتها وأفعالها المدمرة، حتى تلك التي كانت تربطها بها علاقات ودية مثل سلطنة عُمان، التي ظلت طوال تاريخها دولة محايدة، ملتزمة بالإصلاح والتهدئة، وغير متورطة في أي صراع إقليمي، إلا في حالة الإصلاح ذات البين، ورعاية مصالحها الوطنية، أو جهود التهدئة.
تسعى إيران مباشرة لتوسيع نفوذها عبر حجج واهية حول القواعد الأجنبية، بينما تمتلك هي قواعد وأتباعًا منقادين لها بطاعة عمياء في العراق وفي سوريا وفي لبنان وفي اليمن وفي جميع دول الخليج العربي، يأتمرون بأمرها دون استثناء.
يعكس هذا السلوك جنون العظمة الصفوي وأحلام اليقظة الإيرانية، ويشكل تهديدًا مباشرًا لأمن واستقرار المنطقة بأسرها، ويثبت أن أطماع طهران ليست نظرية، أو جزئية، بل هي طموحات توسعية واضحة ومعلنة. تمامًا كما هي أطماع إسرائيل الحالية بالتوسع إلى ما يسمى بإسرائيل الكبرى بين النيل والفرات، مما يجعل من الضروري للعرب أن يميزوا بين مصالحهم الوطنية وأطماع هذين الطرفين المتنافسين في المنطقة.
تقاطع مصالح.. (الثالوث القذر).. والعرب يدفعون الثمن
تشكل الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل -بصورةٍ براغماتية- ثالوثاً استراتيجياً يحدد ملامح الصراعات في المنطقة؛ إذ تتقاطع مصالحهم تارةً ليجني أحدهم الثمار، ويتصادمون تارةً أخرى فتستحيل المواجهة دماراً يطال كل ما حولهم، وفي كلتا الحالتين يظل العرب هم الطرف الأكثر تضرراً، هذا "الثالوث" -رغم التباينات العلنية الحادة- يلتقي دائماً عند نقطة إدارة النفوذ وتوسيع رقعة السيطرة على حساب شعوب المنطقة ومقدراتها.
وحتى في ذروة الصراعات المعلنة، برزت وقائع موضوعية تكشف عن تقاطعاتٍ خفية للمصالح؛ فخلال الحرب الإيرانية–العراقية (1980–1988)، ورغم حالة العداء الظاهرة بين طهران وتل أبيب، طفت على السطح شواهدُ دعمٍ مباشر شملت توريد أسلحة ومعدات عسكرية، وتبادلاً للمعلومات الاستخباراتية، وتنسيقاً خفياً في بعض المفاصل؛ وكان الهدف المضمر هو الحيلولة دون انتصار العراق بقيادة الشهيد صدام حسين، الذي كان يُنظر إليه كمهددٍ استراتيجي للمصالح الإسرائيلية في الخليج والمنطقة برمتها.
إن هذه الوقائع تبرهن على أن الحسابات الاستراتيجية العميقة غالباً ما تتجاوز سقف الخطابات الرسمية الموجهة، بينما يظل العرب هم من يسدد الفاتورة الأكبر في هذا الصراع المركب.
جرائم إيران المتواصلة في العالم العربي
استهلت إيران عدوانها الممنهج على الجغرافيا العربية منذ عقود؛ فكانت البداية باحتلال إمارة "الأهواز" العربية (الإمارة الكعبية) عام 1925، وما تزال ترزح تحت الاحتلال حتى يومنا هذا، في صراعٍ يمتد لأكثر من مائة عام ضمن مسعىً محموم للهيمنة الإقليمية.
ولم تقف الأطماع الإيرانية عند هذا الحد، بل استغلت ظروف المنطقة عام 1971 لتفرض سيطرتها على الجزر الإماراتية الثلاث: (طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسى)، مواصلةً استراتيجية التمدد في دول الخليج العربي. ففي عام 1996، شهدت مملكة البحرين محاولة لزعزعة استقرارها والسيطرة عليها في عهد الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة -رحمه الله- إلا أنها باءت بالفشل، وتكررت المحاولةُ عام 2011 مستفيدةً من خلاياها وأتباعها لإثارة الفوضى وتقويض السلم الأهلي، لكنها انكسرت مجدداً أمام اليقظة الوطنية؛ مما يؤكد التصميم الإيراني المستمر على التدخل في الشؤون العربية واستلاب الأراضي والمقدرات.
الدكتور علي منعم القضاة
أستاذ مشارك في الصحافة والإعلام الرقمي
E-mail:dralialqudah2@gmail.com
Mob: +962 77 77 29 878
مدار الساعة ـ نشر في 2026/04/02 الساعة 21:14