الحكومة تفكر بـ'ميزان الذهب'

علاء القرالة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/30 الساعة 00:26
تصريحات رئيس الوزراء أمس، تؤكد على أن الأردن لا يدير الأزمة بعقلية رد الفعل بل بطريقة محسوبة وبتوازن دقيق، أقرب ما يكون إلى "ميزان الذهب" بتقدير المواقف واتخاذ القرارات دون فقدان بوصلتنا الوطنية أو التضحية بالثوابت الاقتصادية والإضرار بالمواطنين، فما الرسالة من هذه التصريحات؟.

منذ اللحظة الأولى، كان "الموقف الأردني" واضحا: رفض الانخراط بأتون الصراع، وعدم السماح بأن نكون ساحة للحرب أو منصة لأي اعتداء، وهذا الموقف لم يكن سياسيا فقط، بل سياديا يعكس ثبات الدولة وثقتها بنفسها، ويؤكد أن الأردن بقيادته الهاشمية، وجيشه العربي، وأجهزته الأمنية، وشعبه، قادرون على تجاوز العواصف مهما اشتدت.

لكن التحدي الحقيقي أمام هذه الحكومة لا يكمن فقط في تحييد البلاد عن الصراع، بل في إدارة تداعياته الاقتصادية التي لا تقل خطورة، وهنا يظهر بوضوح ذلك "التوازن الدقيق" الذي تسعى الحكومة إلى تحقيقه، من خلال احتواء آثار الأزمة وحماية المواطن من انعكاساتها، وبين الحفاظ على استمرارية الاقتصاد الوطني وزخمه وإتمام المشاريع الكبرى دون توقف أو استسلام.

الإجراءات الاستباقية التي تم اتخاذها منذ الأيام الأولى للحرب تعكس الرؤية الحكيمة والحصيفة لطبيعة المرحلة، حيث تم تأمين المخزون الاستراتيجي وضمان استدامة التزويد لمختلف السلع بما يحول دون حدوث أي اضطرابات في السوق، بالإضافة إلى إعلان الحكومة عن فرض أشد العقوبات على المحتكرين والمخالفين، في رسالة واضحة بأن أمن المواطن المعيشي خط أحمر.

وفي ملف الطاقة، وهو الأكثر حساسية في مثل هذه الظروف، جاء القرار الحكومي بعدم عكس الارتفاع العالمي في أسعار المحروقات بشكل كامل، ليؤكد أن المواطن ليس وحده من يتحمل كلفة الأزمات العالمية، ومن هنا فهذا القرار وإن كان يحمل كلفة على الدولة، إلا أنه يعكس فلسفة اقتصادية واجتماعية تقوم على توزيع الأعباء بعدالة، وتأجيل الضغوط لحين الاستقرار.

وفي موازاة كل ذلك، لم تغفل الحكومة عن ضرورة الحفاظ على الثقة بالاقتصاد الوطني، داخليا وخارجيا، وذلك من خلال استمرار حركة الطيران، وبقاء الأجواء مفتوحة، ومتابعة المشاريع الكبرى دون تغيير، في رسائل طمأنة للمستثمرين والمواطنين على حد سواء ومفادها أن الأردن لا يدير الأزمة بمنطق الانكماش، بل بعقلية الاستمرارية والثبات.

خلاصة القول، إن ما نشهده اليوم نموذج قائم على دقة الموازنة بين المتناقضات بإدارة الأزمات وبميزان من ذهب، من خلال حماية المواطنين دون إنهاك الموازنة العامة، وضبط السوق دون خنق النشاط الاقتصادي، والانخراط دبلوماسيا دون تورط عسكري، بمعادلة صعبة، لكنها ليست مستحيلة حين تدار بعقل الدولة، وبميزان من الذهب.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/30 الساعة 00:26