المسجد الأقصى ليس أثرا حجريا

ماهر ابو طير
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/30 الساعة 00:14
المسجد الأقصى ليس مفصولا عن جواره الاجتماعي، الذي يتعرض لتدمير اقتصادي متواصل خصوصا في البلدة القديمة بالقدس.
إغلاق المسجد الأقصى لأكثر من 30 يوما بذريعة الحرب بين إيران وإسرائيل خلال رمضان وفي فترة العيد، يمر خبرا عاديا مثل كل الأخبار، فيتم تعداد الأيام، مثل تعداد الشهداء في غزة، وهكذا تتحول القضايا المقدسة إلى إحصائيات رقمية فقط في زمن خطير حقا.

ما فعلته إسرائيل في الحرب الحالية جاء هذه المرة أصعب من المرات السابقة، إذ أغلقت المسجد الأقصى، ومنعت الصلاة فيه، والتراويح، وصلاة العيد، ولم تكتف بذلك بل تسببت بتدمير البلدة القديمة التي يسكنها عشرات الآف الفلسطينيين، وفيها آلاف المنشآت التجارية التي تضررت كلها من الإغلاق، وهي تنتظر كل سنة شهر رمضان والعيد من أجل تعويض خسائر العام كاملا، وهذا التدمير سببه إغلاق المحلات، وعدم وصول الناس إلى المسجد الأقصى والبلدة القديمة، بما يعني نحرا اقتصاديا واجتماعيا للجوار الاجتماعي الذي يحيط بالأقصى، وهو نحر يترابط مع ضرائب لا تحتملها الجبال، وإغلاق مئات المحلات التجارية بهدف تفريغ البلدة القديمة في القدس.

ما تتعرض له البلدة القديمة في القدس ليس مفصولا عن الخطط المتعلقة بالمسجد الأقصى، بل مرتبطة به مباشرة، لأن المراد هو إنهاك الكتلة الاجتماعية التي تجاور المسجد، وتحطيمها أمنيا واقتصاديا، وإيصالها إلى مرحلة لا يقدر الفرد فيها على البقاء والاستمرار اجتماعيا أو تجاريا، بما سيؤدي في مرحلة لاحقة إلى تفريغ البلدة القديمة تدريجيا، وكشف ظهر المسجد الأقصى.

كل هذا يحدث ولا يأبه كثيرون بكل الذي يجري، بل إن التوقيت ضاغط جدا، في ظل الحرب التي تستغلها إسرائيل لفرض التغييرات الديموغرافية في القدس، واستهداف الأقصى، ومحاولة شطب الهوية الدينية للموقع، وهي هوية لها ظلال سياسية مرتبطة بالمقدسيين والفلسطينيين والعرب والمسلمين، وشطب الهوية هنا لا يستثني بقية المواقع في القدس، لا تلك الدينية ولا تلك الأثرية في المدينة المحتلة.

مع كل ما سبق تجهيزات لاقتحام المسجد الأقصى في عيد الفصح اليهودي، وهي تجهيزات قد تختلف عن المرات السابقة، بما يجعلنا نسأل عن الواجب فعله اليوم أمام هذه المهددات، وبحيث لا يكون رد الفعل السياسي أو الإعلامي أو الاجتماعي مجرد إبراء للذمة فقط، مع تعاظم الأخطار والمؤشرات على تغييرات مقبلة.

من ناحية ثانية تختبر إسرائيل رد الفعل العربي والإسلامي على المستوى الرسمي والشعبي أيضا، فتكتشف أنه بإمكانها إغلاق الحرم القدسي لأيام وأسابيع دون أي رد فعل، بما يجعلها وفقا لسياسات التطويع والإخضاع والتدرج بشأن الحرم القدسي، تندفع نحو السقف الأعلى في هذا المخطط، وهذا السقف مفتوح من عمليات تفجير في الأنفاق تحت الأقصى، أو بصاروخ موجه يتم اتهام أي طرف به باعتباره ضل الطريق، أو وصولا إلى إقرار الهدم الرسمي، أو فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة عليه، وكلها احتمالات واردة ومطروحة.

إسرائيل تريد عزل الكتلة الاجتماعية في القدس عن المسجد الأقصى، وعزل المسجد الأقصى أيضا عن كتلته الاجتماعية والدينية والتاريخية والسياسية بهدف تحويله إلى مجرد أثر حجري قابل للتصرف والعبث والهدم، فيما نعرف كلنا أن قيمته عظيمة جدا.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/30 الساعة 00:14