حدادين يكتب: تكامل الجاهزية العسكرية وإدارة التوازنات السياسية

المحامي الدكتور يزن دخل الله حدادين
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/25 الساعة 21:48
لا يمكن فهم سلوك القوات المسلحة الأردنية في التعامل مع التهديدات الخارجية بمعزل عن بنية اتخاذ القرار العليا في الدولة. فالمتابعة المباشرة من جلالة الملك، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، لا تمثل فقط إطارًا بروتوكوليًا، بل تؤسس لنمط قيادة يقوم على الربط العضوي بين المستويين السياسي والعسكري. هذا الربط يفسر درجة الانضباط في القرار العملياتي، ويحدّ من التباين بين التقدير السياسي والتنفيذ الميداني.

من خلال قراءة نمط الاستجابة الأردنية للاعتداءات الخارجية يمكن استنتاج أن العقيدة العسكرية المعتمدة لا تقوم على رد الفعل بل على الجاهزية المسبقة. هذه الجاهزية تتجلى في القدرة على احتواء الحدث ضمن نطاق جغرافي وزمني محدود.

هذا النمط من الأداء يعكس بنية مؤسسية متماسكة حيث لا تُترك القرارات الميدانية للاجتهاد الفردي بل تُدار ضمن إطار استراتيجي واضح. ويفسر ذلك غياب الارتجال في السلوك السياسي و العسكري مقابل حضور واضح لمنهجية قائمة على التقييم المستمر وتحديث السيناريوهات المحتملة بما يتلاءم مع تطور التهديدات.

فيما يتعلق بإدارة التهديد، يظهر أن الجيش الأردني يعتمد مقاربة مركبة تقوم على التوازن بين الحزم وضبط النفس والانضباط. هذا التوازن نتيجة إدراك لطبيعة البيئة الإقليمية حيث يمكن لأي تصعيد غير محسوب أن ينتج آثارًا تتجاوز الحدث المباشر. وعليه فإن ضبط النفس والانضباط هنا يمثلان عنصر قوة لأنهما يحافظان على قدرة الدولة على التحكم بمسار التصعيد.

الانضباط المؤسسي يشكل عنصرًا حاسمًا في هذا النموذج. فالسلوك العسكري يعكس التزامًا صارمًا بالتعليمات ما يقلل من احتمالات الخطأ الفردي في بيئات عالية التوتر. كما أن "روح الفريق" ليست مجرد قيمة معنوية بل آلية عمل تضمن تكامل الأدوار وحماية أمن ومصالح المملكة.

من زاوية تحليلية يمكن ملاحظة أن الأداء العسكري الأردني يقوم على مبدأ "التحكم بالتصعيد"، أي القدرة على استخدام القوة ضمن حدود تمنع انتقال الأزمة إلى مستويات أعلى. هذا المبدأ يتطلب توفر معلومات دقيقة وتقدير موقف مستمر وربطًا فعالًا بين مختلف أجهزة الدولة. وضمن هذا الإطار يبرز البعد الحدودي كأحد أهم مسارح الاختبار العملي، حيث تتكرر محاولات تهريب المخدرات عبر الحدود، ويتم التعامل معها بنهج قائم على الإحباط المبكر ومنع ترسخ هذه الأنماط بما يحول دون تحولها إلى تهديد منظم.

في المقابل تتحرك وزارة الخارجية الأردنية ضمن نفس الإطار الاستراتيجي، ولكن بأدوات مختلفة. السياسة الخارجية الأردنية التي تُدار بمظلة عليا تحت قيادة جلالة الملك تعتمد على مبدأ إدارة التوازنات وليس الانحياز الحاد. هذا النهج يسمح للأردن بالحفاظ على قنوات اتصال متعددة ما ينعكس مباشرة على تخفيف الضغوط الأمنية خصوصًا في ظل تداخل الملفات الإقليمية وتشابكها.

العلاقة بين الأداء العسكري والسياسة الخارجية يمكن قراءتها كعلاقة تكامل وطني. فعندما يفرض الجيش حالة استقرار أمني منضبط، فإنه يوفر بيئة مناسبة للتحرك الدبلوماسي. وفي المقابل، تسهم التحركات السياسية في تقليل الحاجة لاستخدام القوة عبر احتواء الأزمات في مراحل مبكرة. هذا التفاعل يعكس وحدة في مركز القرار ويحد من احتمالية التناقض بين الأداتين.

النتيجة الأساسية التي يمكن استخلاصها هي أن الدولة الأردنية تعتمد نموذجًا مركبًا في إدارة الأمن الوطني، يقوم على الدمج بين الجاهزية العسكرية والانخراط الدبلوماسي والسياسي. هذا النموذج لا يسعى إلى تحقيق تفوق عسكري تقليدي بقدر ما يركز على إدارة المخاطر ومنع التصعيد والحفاظ على الاستقرار بشكل متقن واحترافي.

بالتالي فإن حرفية القوات المسلحة الأردنية لا تُقاس فقط بقدرتها على تنفيذ العمليات بل بقدرتها على العمل ضمن هذا الإطار المتكامل حيث يكون القرار العسكري امتدادًا مباشرًا للقرار السياسي وتكون كل خطوة ميدانية محسوبة ضمن معادلة أوسع تحكمها اعتبارات الدولة الشاملة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/25 الساعة 21:48