الهروط يكتب: في وقت الضرورة.. تحتاج الجامعات إلى ناطق باسمها

د.صهيب علي الهروط
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/25 الساعة 12:07
بداية هذه الفكرة ليست طارئة أو وليدة اللحظة، بل هي حصيلة سنوات من المتابعة الدقيقة والتحليل المستمر والعمل ضمن الشأن الجامعي ، حتى أخذت تتبلور تدريجياً، لتطرح نفسها اليوم كواقع لا يمكن تجاهله أو تأجيله.

أستقيت فكرتي من خلال واقعين : المثال الحكومي يقدّم دلالة واضحة على ذلك؛ إذ يتولى وزير الإعلام والاتصال مهام تنظيمية، ويُعد حلقة وصل بين الحكومة ومختلف القطاعات، ومع ذلك يتم اختيار ناطق رسمي باسم الحكومة في أول جلسة لمجلس الوزراء ، وهذا الفصل ليس شكلياً، بل يعكس إدراكاً دقيقاً لخصوصية كل دور، ويؤكد أن الجمع بين المهمتين لا يحقق الغاية المطلوبة، وأن لكل منهما أدواته ووظيفته ، كما أن المثال الآخر من وزارة التعليم العالي والتي فيها وحدة للعلاقات العامة وفيها مستشار إعلامي للوزير .

وعندما أنظر إلى الهياكل التنظيمية في الجامعات، نجد دوائر أو وحدات تُعنى بالإعلام والعلاقات العامة ، إلا أن هذه الجهات، ورغم حضورها، يظل دورها محصوراً في نطاق تقليدي يتمثل في إعداد الأخبار، وتنظيم الفعاليات، واستقبال الضيوف، وإدارة الصفحات الرسمية على المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي ؛ وهي مهام، على أهميتها، لا تعكس دوراً إعلامياً متكاملاً، ولا ترتقي إلى مستوى إدارة الخطاب الإعلامي أو التعامل مع ما يُثار حول الجامعات في الفضاء العام.

وهنا تبرز إشكالية واضحة في الخلط بين مفهومي الإعلام والعلاقات العامة من جهة، والناطق الرسمي من جهة أخرى ، فالعلاقات العامة والإعلام، بصيغتهما الحالية في الجامعات، يرتبطان بالخبر وتنظيم النشاطات، بينما يتطلب دور الناطق الرسمي موقعاً مختلفاً تماماً، يقوم على تمثيل المؤسسة والتعبير عنها في مواجهة الرأي العام.

وفي الجامعات، تتسع هذه الفجوة بشكل أكبر؛ حيث تتولى الجهات الإعلامية إدارة المحتوى المنشور عبر المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، وهو ما يفتح باباً بالغ الحساسية، قد يغفل عنه رئيس الجامعة، إذ إن كل ما يُنشر، بصرف النظر عن الجهة المنفذة، يقع ضمن مسؤوليته المباشرة، وهنا تتداخل الأدوار، وتضيع حدود المسؤولية، في ظل غياب جهة مختصة تتولى إدارة الرسالة الإعلامية بشكل واضح ومحدد.

ولا تقف المسألة عند هذا الحد، فهذه الجهات ليست معنية—في الغالب—بالرد على ما يُطرح في وسائل الإعلام أو على الصفحات المختلفة، سواء الرسمية أو الشخصية، حول قضايا الجامعات ، وهذا الفراغ يضع المسؤول في مواجهة مباشرة مع ما يمكن وصفه بـ“بركان إعلامي”، حيث يجد نفسه مضطراً للتصريح في لحظات حساسة، قد تُفهم فيها كلماته خارج سياقها، أو تُفسّر بطريقة لا تعكس مقصده الحقيقي.

ومن هنا، تتكشف إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة من يتولى التصريح؛ فرؤساء الجامعات، بحكم تكوينهم الأكاديمي، ليسوا بالضرورة ملمين بمفردات الإعلام وآلياته؛ فالأكاديمي يميل بطبيعته إلى التحليل والتفصيل والتفسير، بينما يقوم الإعلام على الاختصار، والدقة، والقدرة على إيصال الرسالة بوضوح ضمن سياق سريع ومتغير ، وهذا التباين قد يضع المسؤول، رغم ما يمتلكه من خبرة وكياسة، في مواقف حرجة لا تُحمد عقباها.

أمام هذا الواقع، لم يعد من الممكن الاكتفاء بالأدوار التقليدية لدوائر ووحدات الإعلام والعلاقات العامة، ولا الاستمرار في تحميل المسؤول الأكاديمي أعباء خطاب إعلامي يتطلب مهارات وأدوات مختلفة ، بل بات من الضروري إعادة النظر في هذه المنظومة، بما يضمن وضوح الأدوار وتحديد المسؤوليات.

وعليه، فإن وجود ناطق رسمي باسم أي جامعة ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة، وتعقيدات المشهد الإعلامي، وحاجة الجامعات إلى صوت رسمي واضح، قادر على التعبير عنها بدقة، والتعامل مع ما يُطرح حولها بوعي ومسؤولية.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/25 الساعة 12:07