الشياب يكتب: إذا انقطع الوقود.. هل تنطفئ الكهرباء؟

الدكتور المهندس عطا الشياب
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/24 الساعة 16:04
تخيّل لوهلة…

أن الغاز قد توقف فجأة، وأن إمدادات الوقود لم تعد تصل، وأن الشبكة الكهربائية أصبحت تواجه الطلب دون مصدر طاقة مستقر…

هل ستبقى الأنوار مضاءة؟ أم أننا سنكتشف أن ما كنا نعتبره أمراً مسلّماً به، كان في الحقيقة هشّاً أكثر مما نتصور؟

هذا السؤال لم يعد افتراضياً، بل أصبح واقعاً تفرضه التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، حيث لم تعد الطاقة بمنأى عن الصراعات، ولم يعد الوقود مجرد سلعة، بل أداة ضغط وتأثير.

في الأردن، حيث يعتمد قطاع الكهرباء بشكل كبير على الوقود الأحفوري المستورد—بما في ذلك الغاز الطبيعي—تتجلى الحاجة الملحّة لإعادة التفكير في بنية النظام الكهربائي، ليس من منظور الكلفة فقط، بل من زاوية الأمن الوطني الشامل.

الكهرباء… أكثر من مجرد خدمة

الكهرباء ليست كماليات يمكن الاستغناء عنها، بل هي العمود الفقري للاقتصاد، ومحرك أساسي لكافة القطاعات الحيوية، من الصناعة إلى الصحة، ومن الاتصالات إلى الأمن. وأي خلل في استمراريتها ينعكس مباشرة على استقرار الدولة بمختلف أبعاده.

ومن هنا، فإن أخطر ما قد نواجهه ليس فقط انقطاع الوقود، بل تكرار سيناريو الاعتماد الذي يجعلنا عرضة لأي تغير خارجي—سياسي أو اقتصادي

العطارات… صمام الأمان الأول

في ظل هذه التحديات، تبرز محطة العطارات كأحد أهم أعمدة الاستقرار في النظام الكهربائي، كونها تعتمد على مصدر محلي (الصخر الزيتي)، وتوفر توليداً قاعدياً (أساسياً مستمراً) لا يتأثر بتقلبات الخارج.

إن التوسع في هذه المحطة، ورفع قدرتها التوليدية بشروط سعرية عادلة، لم يعد خياراً، بل ضرورة استراتيجية لتعزيز أمن الطاقة.

الطاقة المتجددة… قوة تحتاج إلى توازن

لقد قطع الأردن شوطاً مهماً في مشاريع الطاقة الشمسية، إلا أن الاعتماد المفرط عليها دون تعزيز طاقة الرياح يخلق فجوة زمنية في فترات المساء والذروة.

إن التوسع في طاقة الرياح تحديداً، يمثل خطوة ذكية لسد هذه الفجوة، وتحقيق توازن حقيقي في مزيج الطاقة.

البطاريات… الأمان القادم

في عالم الطاقة الحديث، لم تعد البطاريات خياراً تقنياً ثانوياً، بل أصبحت حجر الزاوية في استقرار الأنظمة الكهربائية.

سواء على المستوى المنزلي أو التجاري، فإن إدخال أنظمة التخزين يتيح:

1. تخزين الطاقة الفائضة

2. استخدامها عند الحاجة

3. تخفيف الضغط على الشبكة

4. وتوفير مصدر احتياطي في الأزمات

وهذا يتطلب فتح المجال أمامها تنظيمياً دون قيود تعيق انتشارها.

الأنظمة الهجينة… من مستهلك إلى شريك

إن تمكين الأنظمة الهجينة، التي تجمع بين أكثر من مصدر للطاقة، يخلق نموذجاً جديداً يصبح فيه المستهلك جزءاً من الحل، لا عبئاً على الشبكة.

وفي حالات الطوارئ، يمكن لهذه الأنظمة أن تكون خط الدفاع الثاني بعد الشبكة الوطنية.

حقل الريشة… فرصة لا تحتمل التأجيل

يمثل حقل الريشة أحد أهم المشاريع الاستراتيجية التي يمكن أن تعيد التوازن لمنظومة الطاقة في الأردن. وتسريع تطويره، وزيادة إنتاجه، وربطه بكفاءة مع شبكة النقل، سيشكل دعامة حقيقية لتقليل الاعتماد على الخارج.

الخلاصة

إذا انقطع الوقود…

لن تنطفئ الكهرباء فوراً، لكن استمرارها لن يكون مضموناً.

والفارق بين دولة تصمد، ودولة تتأثر، هو مدى استعدادها المسبق.

إن بناء نظام كهربائي مرن يعتمد على:

1. التوليد المحلي القاعدي (العطارات)

2. الطاقة المتجددة المتوازنة (شمس + رياح)

3. أنظمة التخزين (البطاريات)

4. الغاز المحلي (الريشة)

هو الطريق الوحيد لضمان استمرارية الكهرباء في الظروف غير الطبيعية.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/24 الساعة 16:04