العمرو يكتب: الأردن في مواجهة رواية مضللة وصراع إرادات

نضال الثبيتات العمرو
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/24 الساعة 13:18
تقف عمّان اليوم أمام مشهد سياسي شديد التعقيد، حيث تختلط الوقائع بالاتهامات، وتُستبدل الحقائق بخطاب موجه يسعى إلى قلب موازين السرد الدولي؛ الرسالة الإيرانية إلى الأمم المتحدة لا يمكن قراءتها كتحرك قانوني بريء، بل كجزء من استراتيجية أوسع لإعادة صياغة صورة الفاعل والضحية في نزاع إقليمي مفتوح على احتمالات التصعيد.

جوهر المسألة يتجاوز مجرد احتجاج دبلوماسي، ليصل إلى محاولة تأسيس رواية رسمية تُحمّل الأردن مسؤولية أفعال لم تثبتها أدلة موثوقة؛ هذا النهج ليس جديد في السلوك السياسي الإيراني، حيث يجري توظيف المنابر الدولية لتثبيت سرديات تخدم أهداف تكتيكية، خصوصاً عند التعرض لضغوط عسكرية أو سياسية.

واقع الحال يشير إلى مفارقة صارخة، طرف يمارس أدوار ممتدة عبر الإقليم، من دعم تشكيلات مسلحة غير نظامية إلى تغذية شبكات تهريب منظمة، ثم يسارع إلى تقديم نفسه كمتضرر يطالب بالعدالة؛ في المقابل، دولة كالأردن، التي تحملت أعباء جغرافيا ملتهبة، تجد نفسها مطالبة بالدفاع عن سيادتها في وجه اتهامات تفتقر إلى الأساس القانوني.

سنوات طويلة شهدت استنزاف غير معلن للأردن، عبر تدفقات منظمة من المخدرات والسلاح، ومحاولات اختراق أمني، وبيئة إقليمية جرى فيها إحاطة حدوده بفاعلين غير مستقرين؛ الكلفة لم تكن أمنية فقط، بل اقتصادية واجتماعية، انعكست على تفاصيل الحياة اليومية للمواطن، من ارتفاع الأسعار إلى اضطرابات سلاسل الإمداد، وصولاً إلى أعباء إغلاق الأجواء في لحظات التوتر.

وضمن هذا السياق، يصبح من المشروع طرح سؤال جوهري حول طبيعة الأدلة التي تستند إليها طهران؛ الاتهام في القانون الدولي لا يقوم على الانطباعات، بل على قرائن مثبتة ووثائق قابلة للتحقق؛ الأردن، بحكم موقعه وخبرته، يمتلك أرشيف ثقيل من الوقائع التي توثق أنماط استهداف ممنهج، بينما يبدو الطرف الآخر عاجز عن تقديم دليل واحد متماسك يدعم ادعاءاته.

التحرك الأردني لا ينبغي أن يبقى في إطار الردود السياسية التقليدية؛ ثمة مسار قانوني ودبلوماسي أكثر فاعلية، يبدأ بتدويل الانتهاكات التي تعرض لها، وتقديم ملفات موثقة أمام المؤسسات الأممية والمحاكم الدولية؛ هذا المسار لا يهدف فقط إلى تفنيد الادعاءات، بل إلى إعادة تعريف موقع الأردن كطرف متضرر يستحق الحماية والتعويض.

الرهان الحقيقي يكمن في إدارة الرواية بقدر إدارة الميدان؛ المعارك الحديثة لا تُحسم فقط بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بل أيضاً بالكلمة والوثيقة والقدرة على إقناع المجتمع الدولي؛ الأردن يمتلك عناصر قوة هادئة، تتمثل في مصداقيته التاريخية وعلاقاته المتوازنة، وهي أدوات يمكن تحويلها إلى نفوذ سياسي إذا استُخدمت بذكاء.

لحظة كهذه لا تحتمل التردد، بل تتطلب انتقال من موقع الدفاع إلى المبادرة، ومن رد الفعل إلى الفعل المؤسس؛ المعادلة واضحة، من يملك الدليل يملك السرد، ومن يملك السرد يحدد اتجاه السياسة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/24 الساعة 13:18