الزعبي يكتب: تسونامي الطاقة.. هل هو نهاية وهم الاستقرار العالمي؟
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/23 الساعة 12:37
لم يعد ما يجري في أسواق الطاقة أزمة دورية تُحلّ بارتفاع الأسعار أو تدخلات مؤقتة، بل "تسونامي طاقة" تتقاطع فيه الجغرافيا مع السياسة، في لحظة كسر تاريخي يُعاد فيها توزيع القوة على مستوى العالم. ما نشهده اليوم ليس اختلالًا عابرًا في السوق، بل انهيارًا في يقين النظام الذي حكم تدفق الطاقة منذ نهاية الحرب الباردة. إنها لحظة تتحول فيها الطاقة من سلعة إلى أداة ابتزاز جيوسياسي، ومحرك خفي لإعادة تشكيل النظام الدولي.
العالم الذي بُني على افتراض استقرار الإمدادات، يكتشف اليوم أن إنتاج أكثر من 100 مليون برميل نفط يوميًا، وأكثر من 4 تريليونات متر مكعب من الغاز سنويًا، لا يعني شيئًا إذا كانت طرق الإمداد مهددة. الأزمة لم تعد في حجم الإنتاج، بل في القدرة على الوصول، وهنا يكمن الخلل البنيوي في نظام عالمي لم يُصمَّم لبيئة صراع مفتوح.
من شرق المتوسط إلى أوروبا، بدأت ملامح هذا التحول الحاد. فالحرب في غزة لم تُسقط رهانات سياسية فقط، بل أصابت مباشرة مشاريع غاز شرق المتوسط، كانت تُطرح كبديل استراتيجي لأوروبا ودول المنطقة. وتحولت فجأة من فرصة إلى مصدر مخاطرة، في تأكيد على أن الاستثمار في الطاقة لم يعد قرارًا اقتصاديًا بحتًا، بل أمنيًا بالدرجة الأولى، ما أدى إلى تقويض خيار استراتيجي كان يُعوَّل عليه لإعادة تشكيل أمن الطاقة الأوروبي وبعض دول المنطقة.
الزلزال الأكبر جاء من شرق أوروبا، حيث لم تكن الحرب في أوكرانيا مجرد مواجهة عسكرية، بل تفكيكًا تدريجيًا لنموذج الطاقة الأوروبي. أوروبا، التي كانت تستورد قبل الحرب، نحو 40% من غازها من روسيا، وجدت نفسها أمام واقع جديد، طاقة أعلى كلفة، ونمو أضعف، وتبعية من نوع مختلف. تعطلت مشاريع كبرى مثل خط غاز نورد ستريم"، واهتزت إمدادات خط نفط "دروجبا"، فيما بقي خط غاز "السيل التركي" تحت ضغط دائم. النتيجة كانت انتقال أوروبا من حالة الاستقرار إلى عدم اليقين، والى اقتصاد قلق قائم على إدارة الأزمات بدل التخطيط طويل الأمد.
وبينما تبحث أوروبا عن بدائل، تصطدم بحقيقة أن الجغرافيا لم تمنحها رفاهية الخيارات. ففي بحر قزوين وآسيا الوسطى، تتداخل خطوط الطاقة مع خرائط النفوذ، لتكشف قاعدة ثابتة، كل خط أنابيب هو مشروع سياسي قبل أن يكون اقتصاديًا، وكل مسار طاقة هو امتداد مباشر لنفوذ الدول.
في قلب المشهد، تقف الصين بوصفها نقطة الارتكاز الأخطر. فهي المحرك الرئيسي للطلب العالمي، وتستورد أكثر من 11 مليون برميل نفط يوميًا، يأتي جزء كبير منها من الخليج. فأي اضطراب في هذه المنطقة لا يهدد الصين وحدها، بل يهدد الاقتصاد العالمي بأسره. ورغم محاولات التنويع، تبقى البدائل محدودة على المدى القصير، بفعل تعقيدات البنية التحتية وطبيعة الطلب الصناعي. الصين قد تتحمل الأسعار المرتفعة، لكنها لا تتحمل انقطاع الإمدادات، لأن ذلك يعني تباطؤًا صناعيًا وتعطلًا في سلاسل التوريد العالمية. وهنا تتجلى حقيقة جيوسياسية عميقة، استقرار الطاقة في الصين لم يعد شأنًا وطنيًا، بل شرطًا لاستقرار الاقتصاد العالمي.
أما السيناريو الأكثر خطورة، فيكمن في الخليج العربي. أي إغلاق، ولو مؤقت، أو فقدان للسيطرة، قد يدفع العالم إلى أخطر أزمة طاقة في تاريخه الحديث، تتجاوز ارتفاع الأسعار إلى فقدان التوازن وإعادة تعريف أمن الطاقة نفسه، لا بل قد يود الى تراجع في نفوذ دول وصعود أخرى.
ولا يتوقف الخطر عند الممرات، بل يمتد إلى البنية التحتية. فاستهداف منشآت إنتاج أو تسييل الغاز في دول مثل إيران أو قطر او غيرها، لن يكون حدثًا أمنيًا معزولًا، بل صدمة طاقة عالمية فورية. ما يقود إلى موجة تضخمية تضرب سلاسل الإمداد وترفع كلفة الإنتاج والنقل، وتدفع اقتصادات كبرى نحو التباطؤ، بينما تتحمل الدول المستوردة الكلفة الأكبر. اما إذا تم ضرب محطات توليد الطاقة الكهربائية في المنطقة، فستكون الكارثة، حيث تتحول الطاقة من عنصر استقرار ومحرك للنمو إلى مصدر ضغط اقتصادي واجتماعي.
وفي محاولة للالتفاف على هذه المخاطر، كان من المفترض أن يشكل البحر الأحمر مسارًا بديلًا، لكنه تحول بدوره إلى ساحة تهديد، ما أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في كلفة الشحن واضطراب مسارات التجارة. النتيجة، لا ممر آمن، ولا بديل مضمون.
في الأطراف، تتراكم أزمات موازية. إفريقيا تعاني من اضطرابات تعيق الإنتاج رغم امتلاكها نحو 10% من الاحتياطات العالمية النفطية، وفنزويلا تعمل دون طاقتها بفعل السياسات، بينما يتحول القطب الشمالي وبحر الشمال وغرينلاند إلى ساحات تنافس جديدة. الحقيقة الصادمة أن العالم لا يعاني نقصًا في الموارد، بل فشلًا في إدارتها.
أمام هذا المشهد، تبدو أوروبا الأكثر انكشافًا، بينما يواجه الشرق الأوسط مفارقة قاسية، وفرة في الموارد مقابل هشاشة جيوسياسية. الفرص قائمة، لكن المخاطر تتسارع بوتيرة أعلى.
في هذا السياق، يقف الأردن في موقع حساس بين الجغرافيا السياسية والاقتصاد. فهو ليس منتجًا للطاقة التقليدية، لكنه في قلب معادلتها دون أن يمتلك أدوات التأثير فيها. اعتماده الكبير على الاستيراد يجعله عرضة مباشرة لأي صدمة في الأسعار أو الإمدادات، ما يحول الطاقة إلى قضية أمن وطني لا مجرد ملف اقتصادي.
رؤية الملك عبد الله الثاني جاءت مبكرة وواضحة، تنويع المصادر، وتعزيز الطاقة المتجددة وتسهيل الاستثمار فيها، وتقليل الاعتماد الخارجي. وهي رؤية تعكس إدراكًا بأن الطاقة لم تعد قطاعًا اقتصاديًا، بل عنصرًا مركزيًا في الأمن الوطني. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الرؤية، بل في التنفيذ، حيث تظهر فجوة واضحة بين الخطط والواقع.
فالواقع يكشف مفارقات واضحة. حقل حمزة النفطي، الذي رُوِّج له كرمز للإنتاج بعد الانتهاء من إعادة التأهيل (انتهت منذ سنوات)، بقي خارج المعادلة بإنتاج لم يتجاوز 3000 برميل خلال الثلث الأخير من عام 2025.
اما، حقل الريشة، قد شكل الأمل الأكبر. فالتقديرات المتفائلة رُوِّج لها باعتبارها نقطة تحول محتملة نحو الاكتفاء الذاتي من الغاز. حيث تصبح التوقعات غير المستقرة التي تنشر في الاعلام، عن الاحتياطيات والإنتاج، وتباين الخطط الزمنية لرفع الإنتاج، والتذبذب بالأرقام المعلنة، وغياب الوضوح الاقتصادي، والثبات في الخطط قصيرة وطويلة المدى (رغم تحمل الخزينة 87 مليون دينار)، لا يعكس فقط تحديات فنية، بل يكشف خللًا أعمق في إدارة ملف الطاقة.
في المقابل، يستورد الأردن أكثر من 90% من احتياجاته من الطاقة، ما يجعله في قلب المخاطر. ورغم التقدم في الطاقة المتجددة، إلا أن تحديات التخزين واستقرار الشبكة تعني أن النجاح تحقق في الإنتاج، دون أن يكتمل في الإدارة.
أن جوهر المشكلة ليس في ندرة الموارد، بل في غياب إطار استراتيجي متماسك. التعدد المؤسسي، وتذبذب السياسات، والفجوة بين الإعلان والتنفيذ، كلها تعيق بناء منظومة طاقة متكاملة، وتكرّس إدارة قائمة على ردود الفعل.
الأردن قد لا يكون دولة نفطية، لكنه قادر أن يكون دولة ذكية في إدارة الطاقة، عبر بناء منظومة مرنة تقلل الانكشاف وتعزز القدرة على الصمود في وجه الصدمات الجيوسياسية.
العالم يدخل اليوم عصر "الطاقة غير المستقرة"، حيث لا تكفي الموارد ولا الاتفاقيات، بل تصبح القدرة على الإدارة هي العامل الحاسم. ولم تعد النجاة للأقوى فقط، بل للأكثر قدرة على التكيف.
اليوم، والجغرافيا تعود بقوة، ولم تعد المعادلة، من يملك الطاقة؟ بل من يستطيع تأمينها وإدارة مخاطرها، وهنا يتحدد مستقبل الدول.
أمام هذا الواقع، تبرز ثلاثة مسارات، الاستمرار في الانكشاف، أو التكيف الجزئي، أو التحول الاستراتيجي نحو منظومة طاقة متكاملة تقلل المخاطر وتعزز الصمود. وهذا التحول لا يعني الاكتفاء الذاتي، بل بناء قدرة عالية على إدارة المخاطر وتقليل الانكشاف إلى أدنى حد.
وإذا كان هذا تسونامي الطاقة، قد كشف حدود القوة الاقتصادية، فإنه في جوهره عرّى وهماً أكبر، أن العالم يمكن أن يستقر في ظل صراعات مفتوحة. الحقيقة الأكثر قسوة أن كل برميل نفط مهدد، وكل خط غاز معرض للابتزاز، هو انعكاس مباشر لفشل سياسي لا تقني.
لكن السيناريو الأخطر لم يقع بعد، بل يلوح في الأفق، لحظة تتحول فيها منشآت الطاقة نفسها إلى أهداف مباشرة في معادلة الصراع. عندها، لن يكون الحديث عن اضطراب في الأسواق، بل عن انهيار منظم في بنية الاقتصاد العالمي، وسقوط آخر أوهام الاستقرار، ويدفع العالم إلى اقتصاد الصدمة المفتوحة. عندها قد لا تعود بعض الدول قادرة على الاحتواء.
في تلك اللحظة، لن يكون السؤال كم يبلغ سعر البرميل، بل الى متى سيعود التدفق لتعود معادلة التسعير؟ وفي الحالة التشاؤمية، هل سيبقى تدفق يمكن تسعيره أصلًا؟ وهل يستطيع الاقتصاد العالمي الصمود أمام انقطاع مفاجئ في شرايينه الحيوية؟
هنا، تتحول الطاقة من ورقة ضغط إلى أداة كسر شامل، ويتحوّل الاقتصاد العالمي من نظام مترابط إلى منظومة ارتباك وفوضى.
الأخطر أن هذا المسار لا يُدار بعقل سياسي اقتصادي، بل بمنطق الردع والتصعيد، حيث تتحول حماية مصادر الطاقة إلى مبرر لتوسيع الصراعات. ومع كل ضربة، تتآكل الثقة في النظام الدولي، وتُعاد صياغة العلاقات بين الدول على قاعدة واحدة، من يستطيع حماية إمداداته.
الخروج من هذه الفوضى لن يأتي من زيادة الإنتاج، بل من قرار سياسي يعيد تعريف قواعد اللعبة، التهدئة بدل التصعيد، والدبلوماسية بدل حافة الهاوية. دون ذلك، سيبقى العالم يدور في حلقة مفرغة، تتآكل فيها الاقتصادات، ويتعمق العجز عن إنتاج استقرار حقيقي.
ورغم كلفة التصعيد في المنطقة، بما في ذلك الاعتداءات الإيرانية، التي طالت أراضي الأردن والسعودية ودول الخليج، إلا أن المفارقة التي قد يتجاهلها كثيرون هي أن مفتاح الخروج الدبلوماسي من الأزمة قد يكون من داخل المنطقة، لا من خارجها.
اليوم، لم تعد القوة اليوم لمن يملك الموارد، بل لمن يملك القدرة على حمايتها من التحول إلى وقود للفوضى. ففي لحظة تتحول فيها منشآت الطاقة إلى هدف عسكري، وتقترب فيها المنطقة من حافة الانفجار بشكل غير مسبوق، تغدو التهدئة فعل قوة، وتصبح القوة في فتح قنوات الحوار، قوة استراتيجية، تفوق قوة الموارد.
العالم يقترب من لحظة اختبار قاسٍ، إما إعادة صياغة قواعد الاشتباك، أو الانزلاق إلى واقع تصبح فيه منشآت الطاقة أهدافًا مشروعة بشكل دائم، بما يعنيه ذلك من انهيار تدريجي لقواعد الاستقرار الدولي.
وهنا تبرز أهمية الأردن، لا كدولة نفطية، بل كدولة تمتلك رصيدًا سياسيًا واستراتيجيًا نادرًا في لحظة إقليمية مضطربة. بقيادته الهاشمية، وشرعيتها الدينية والتاريخية، يقدم نموذجًا قائمًا على العقلانية في زمن الانفعال، والتوازن في زمن الاستقطاب، والقدرة على الانخراط دون الانزلاق، وبناء الجسور حين تتساقط خطوط الاتصال بين مختلف القوى. وهنا، لا يكون الأردن مجرد متلقٍ لتداعيات تسونامي الطاقة، بل فاعلًا محتملًا في كبحه.
المعادلة تغيّرت، ولم يعد السؤال من يملك او يسيطر على الموارد، بل من يملك شجاعة إطفاء الحرائق قبل أن تلتهم الجميع.
العالم الذي بُني على افتراض استقرار الإمدادات، يكتشف اليوم أن إنتاج أكثر من 100 مليون برميل نفط يوميًا، وأكثر من 4 تريليونات متر مكعب من الغاز سنويًا، لا يعني شيئًا إذا كانت طرق الإمداد مهددة. الأزمة لم تعد في حجم الإنتاج، بل في القدرة على الوصول، وهنا يكمن الخلل البنيوي في نظام عالمي لم يُصمَّم لبيئة صراع مفتوح.
من شرق المتوسط إلى أوروبا، بدأت ملامح هذا التحول الحاد. فالحرب في غزة لم تُسقط رهانات سياسية فقط، بل أصابت مباشرة مشاريع غاز شرق المتوسط، كانت تُطرح كبديل استراتيجي لأوروبا ودول المنطقة. وتحولت فجأة من فرصة إلى مصدر مخاطرة، في تأكيد على أن الاستثمار في الطاقة لم يعد قرارًا اقتصاديًا بحتًا، بل أمنيًا بالدرجة الأولى، ما أدى إلى تقويض خيار استراتيجي كان يُعوَّل عليه لإعادة تشكيل أمن الطاقة الأوروبي وبعض دول المنطقة.
الزلزال الأكبر جاء من شرق أوروبا، حيث لم تكن الحرب في أوكرانيا مجرد مواجهة عسكرية، بل تفكيكًا تدريجيًا لنموذج الطاقة الأوروبي. أوروبا، التي كانت تستورد قبل الحرب، نحو 40% من غازها من روسيا، وجدت نفسها أمام واقع جديد، طاقة أعلى كلفة، ونمو أضعف، وتبعية من نوع مختلف. تعطلت مشاريع كبرى مثل خط غاز نورد ستريم"، واهتزت إمدادات خط نفط "دروجبا"، فيما بقي خط غاز "السيل التركي" تحت ضغط دائم. النتيجة كانت انتقال أوروبا من حالة الاستقرار إلى عدم اليقين، والى اقتصاد قلق قائم على إدارة الأزمات بدل التخطيط طويل الأمد.
وبينما تبحث أوروبا عن بدائل، تصطدم بحقيقة أن الجغرافيا لم تمنحها رفاهية الخيارات. ففي بحر قزوين وآسيا الوسطى، تتداخل خطوط الطاقة مع خرائط النفوذ، لتكشف قاعدة ثابتة، كل خط أنابيب هو مشروع سياسي قبل أن يكون اقتصاديًا، وكل مسار طاقة هو امتداد مباشر لنفوذ الدول.
في قلب المشهد، تقف الصين بوصفها نقطة الارتكاز الأخطر. فهي المحرك الرئيسي للطلب العالمي، وتستورد أكثر من 11 مليون برميل نفط يوميًا، يأتي جزء كبير منها من الخليج. فأي اضطراب في هذه المنطقة لا يهدد الصين وحدها، بل يهدد الاقتصاد العالمي بأسره. ورغم محاولات التنويع، تبقى البدائل محدودة على المدى القصير، بفعل تعقيدات البنية التحتية وطبيعة الطلب الصناعي. الصين قد تتحمل الأسعار المرتفعة، لكنها لا تتحمل انقطاع الإمدادات، لأن ذلك يعني تباطؤًا صناعيًا وتعطلًا في سلاسل التوريد العالمية. وهنا تتجلى حقيقة جيوسياسية عميقة، استقرار الطاقة في الصين لم يعد شأنًا وطنيًا، بل شرطًا لاستقرار الاقتصاد العالمي.
أما السيناريو الأكثر خطورة، فيكمن في الخليج العربي. أي إغلاق، ولو مؤقت، أو فقدان للسيطرة، قد يدفع العالم إلى أخطر أزمة طاقة في تاريخه الحديث، تتجاوز ارتفاع الأسعار إلى فقدان التوازن وإعادة تعريف أمن الطاقة نفسه، لا بل قد يود الى تراجع في نفوذ دول وصعود أخرى.
ولا يتوقف الخطر عند الممرات، بل يمتد إلى البنية التحتية. فاستهداف منشآت إنتاج أو تسييل الغاز في دول مثل إيران أو قطر او غيرها، لن يكون حدثًا أمنيًا معزولًا، بل صدمة طاقة عالمية فورية. ما يقود إلى موجة تضخمية تضرب سلاسل الإمداد وترفع كلفة الإنتاج والنقل، وتدفع اقتصادات كبرى نحو التباطؤ، بينما تتحمل الدول المستوردة الكلفة الأكبر. اما إذا تم ضرب محطات توليد الطاقة الكهربائية في المنطقة، فستكون الكارثة، حيث تتحول الطاقة من عنصر استقرار ومحرك للنمو إلى مصدر ضغط اقتصادي واجتماعي.
وفي محاولة للالتفاف على هذه المخاطر، كان من المفترض أن يشكل البحر الأحمر مسارًا بديلًا، لكنه تحول بدوره إلى ساحة تهديد، ما أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في كلفة الشحن واضطراب مسارات التجارة. النتيجة، لا ممر آمن، ولا بديل مضمون.
في الأطراف، تتراكم أزمات موازية. إفريقيا تعاني من اضطرابات تعيق الإنتاج رغم امتلاكها نحو 10% من الاحتياطات العالمية النفطية، وفنزويلا تعمل دون طاقتها بفعل السياسات، بينما يتحول القطب الشمالي وبحر الشمال وغرينلاند إلى ساحات تنافس جديدة. الحقيقة الصادمة أن العالم لا يعاني نقصًا في الموارد، بل فشلًا في إدارتها.
أمام هذا المشهد، تبدو أوروبا الأكثر انكشافًا، بينما يواجه الشرق الأوسط مفارقة قاسية، وفرة في الموارد مقابل هشاشة جيوسياسية. الفرص قائمة، لكن المخاطر تتسارع بوتيرة أعلى.
في هذا السياق، يقف الأردن في موقع حساس بين الجغرافيا السياسية والاقتصاد. فهو ليس منتجًا للطاقة التقليدية، لكنه في قلب معادلتها دون أن يمتلك أدوات التأثير فيها. اعتماده الكبير على الاستيراد يجعله عرضة مباشرة لأي صدمة في الأسعار أو الإمدادات، ما يحول الطاقة إلى قضية أمن وطني لا مجرد ملف اقتصادي.
رؤية الملك عبد الله الثاني جاءت مبكرة وواضحة، تنويع المصادر، وتعزيز الطاقة المتجددة وتسهيل الاستثمار فيها، وتقليل الاعتماد الخارجي. وهي رؤية تعكس إدراكًا بأن الطاقة لم تعد قطاعًا اقتصاديًا، بل عنصرًا مركزيًا في الأمن الوطني. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الرؤية، بل في التنفيذ، حيث تظهر فجوة واضحة بين الخطط والواقع.
فالواقع يكشف مفارقات واضحة. حقل حمزة النفطي، الذي رُوِّج له كرمز للإنتاج بعد الانتهاء من إعادة التأهيل (انتهت منذ سنوات)، بقي خارج المعادلة بإنتاج لم يتجاوز 3000 برميل خلال الثلث الأخير من عام 2025.
اما، حقل الريشة، قد شكل الأمل الأكبر. فالتقديرات المتفائلة رُوِّج لها باعتبارها نقطة تحول محتملة نحو الاكتفاء الذاتي من الغاز. حيث تصبح التوقعات غير المستقرة التي تنشر في الاعلام، عن الاحتياطيات والإنتاج، وتباين الخطط الزمنية لرفع الإنتاج، والتذبذب بالأرقام المعلنة، وغياب الوضوح الاقتصادي، والثبات في الخطط قصيرة وطويلة المدى (رغم تحمل الخزينة 87 مليون دينار)، لا يعكس فقط تحديات فنية، بل يكشف خللًا أعمق في إدارة ملف الطاقة.
في المقابل، يستورد الأردن أكثر من 90% من احتياجاته من الطاقة، ما يجعله في قلب المخاطر. ورغم التقدم في الطاقة المتجددة، إلا أن تحديات التخزين واستقرار الشبكة تعني أن النجاح تحقق في الإنتاج، دون أن يكتمل في الإدارة.
أن جوهر المشكلة ليس في ندرة الموارد، بل في غياب إطار استراتيجي متماسك. التعدد المؤسسي، وتذبذب السياسات، والفجوة بين الإعلان والتنفيذ، كلها تعيق بناء منظومة طاقة متكاملة، وتكرّس إدارة قائمة على ردود الفعل.
الأردن قد لا يكون دولة نفطية، لكنه قادر أن يكون دولة ذكية في إدارة الطاقة، عبر بناء منظومة مرنة تقلل الانكشاف وتعزز القدرة على الصمود في وجه الصدمات الجيوسياسية.
العالم يدخل اليوم عصر "الطاقة غير المستقرة"، حيث لا تكفي الموارد ولا الاتفاقيات، بل تصبح القدرة على الإدارة هي العامل الحاسم. ولم تعد النجاة للأقوى فقط، بل للأكثر قدرة على التكيف.
اليوم، والجغرافيا تعود بقوة، ولم تعد المعادلة، من يملك الطاقة؟ بل من يستطيع تأمينها وإدارة مخاطرها، وهنا يتحدد مستقبل الدول.
أمام هذا الواقع، تبرز ثلاثة مسارات، الاستمرار في الانكشاف، أو التكيف الجزئي، أو التحول الاستراتيجي نحو منظومة طاقة متكاملة تقلل المخاطر وتعزز الصمود. وهذا التحول لا يعني الاكتفاء الذاتي، بل بناء قدرة عالية على إدارة المخاطر وتقليل الانكشاف إلى أدنى حد.
وإذا كان هذا تسونامي الطاقة، قد كشف حدود القوة الاقتصادية، فإنه في جوهره عرّى وهماً أكبر، أن العالم يمكن أن يستقر في ظل صراعات مفتوحة. الحقيقة الأكثر قسوة أن كل برميل نفط مهدد، وكل خط غاز معرض للابتزاز، هو انعكاس مباشر لفشل سياسي لا تقني.
لكن السيناريو الأخطر لم يقع بعد، بل يلوح في الأفق، لحظة تتحول فيها منشآت الطاقة نفسها إلى أهداف مباشرة في معادلة الصراع. عندها، لن يكون الحديث عن اضطراب في الأسواق، بل عن انهيار منظم في بنية الاقتصاد العالمي، وسقوط آخر أوهام الاستقرار، ويدفع العالم إلى اقتصاد الصدمة المفتوحة. عندها قد لا تعود بعض الدول قادرة على الاحتواء.
في تلك اللحظة، لن يكون السؤال كم يبلغ سعر البرميل، بل الى متى سيعود التدفق لتعود معادلة التسعير؟ وفي الحالة التشاؤمية، هل سيبقى تدفق يمكن تسعيره أصلًا؟ وهل يستطيع الاقتصاد العالمي الصمود أمام انقطاع مفاجئ في شرايينه الحيوية؟
هنا، تتحول الطاقة من ورقة ضغط إلى أداة كسر شامل، ويتحوّل الاقتصاد العالمي من نظام مترابط إلى منظومة ارتباك وفوضى.
الأخطر أن هذا المسار لا يُدار بعقل سياسي اقتصادي، بل بمنطق الردع والتصعيد، حيث تتحول حماية مصادر الطاقة إلى مبرر لتوسيع الصراعات. ومع كل ضربة، تتآكل الثقة في النظام الدولي، وتُعاد صياغة العلاقات بين الدول على قاعدة واحدة، من يستطيع حماية إمداداته.
الخروج من هذه الفوضى لن يأتي من زيادة الإنتاج، بل من قرار سياسي يعيد تعريف قواعد اللعبة، التهدئة بدل التصعيد، والدبلوماسية بدل حافة الهاوية. دون ذلك، سيبقى العالم يدور في حلقة مفرغة، تتآكل فيها الاقتصادات، ويتعمق العجز عن إنتاج استقرار حقيقي.
ورغم كلفة التصعيد في المنطقة، بما في ذلك الاعتداءات الإيرانية، التي طالت أراضي الأردن والسعودية ودول الخليج، إلا أن المفارقة التي قد يتجاهلها كثيرون هي أن مفتاح الخروج الدبلوماسي من الأزمة قد يكون من داخل المنطقة، لا من خارجها.
اليوم، لم تعد القوة اليوم لمن يملك الموارد، بل لمن يملك القدرة على حمايتها من التحول إلى وقود للفوضى. ففي لحظة تتحول فيها منشآت الطاقة إلى هدف عسكري، وتقترب فيها المنطقة من حافة الانفجار بشكل غير مسبوق، تغدو التهدئة فعل قوة، وتصبح القوة في فتح قنوات الحوار، قوة استراتيجية، تفوق قوة الموارد.
العالم يقترب من لحظة اختبار قاسٍ، إما إعادة صياغة قواعد الاشتباك، أو الانزلاق إلى واقع تصبح فيه منشآت الطاقة أهدافًا مشروعة بشكل دائم، بما يعنيه ذلك من انهيار تدريجي لقواعد الاستقرار الدولي.
وهنا تبرز أهمية الأردن، لا كدولة نفطية، بل كدولة تمتلك رصيدًا سياسيًا واستراتيجيًا نادرًا في لحظة إقليمية مضطربة. بقيادته الهاشمية، وشرعيتها الدينية والتاريخية، يقدم نموذجًا قائمًا على العقلانية في زمن الانفعال، والتوازن في زمن الاستقطاب، والقدرة على الانخراط دون الانزلاق، وبناء الجسور حين تتساقط خطوط الاتصال بين مختلف القوى. وهنا، لا يكون الأردن مجرد متلقٍ لتداعيات تسونامي الطاقة، بل فاعلًا محتملًا في كبحه.
المعادلة تغيّرت، ولم يعد السؤال من يملك او يسيطر على الموارد، بل من يملك شجاعة إطفاء الحرائق قبل أن تلتهم الجميع.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/23 الساعة 12:37