مساعدة يكتب: قراءة تحليلية في خطاب دولة فيصل الفايز: الأردن أولًا

جهاد المساعدة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/22 الساعة 12:09
في سياق سياسي وإقليمي معقد، يأتي خطاب دولة فيصل الفايز ليعيد ترتيب مفهوم الوطنية، ويقدّم قراءة متماسكة لدور الدولة وحدود الخطاب العام في ظل تحديات متصاعدة.

في الأردن، لم تعد الوطنية كلمةً تُقال، بل أصبحت ساحة اختبار حقيقية: من يفهم الدولة، ومن يخلط بينها وبين المزاج العام. وفي خضم هذا الاختلاط، يأتي خطاب دولة فيصل الفايز، في كلماته ولقاءاته ومواقفه، ليعيد ترتيب المعنى، لا عبر الشعارات، بل عبر أبعاد واضحة تُشكّل نموذجًا متماسكًا للوطنية.

المشكلة ليست في تعدد الآراء، بل حين تفقد الكلمات حدودها. وهنا يضع دولة الفايز أول أبعاد خطابه: الوطنية كسيادة. هناك خط واضح لا يُمس، ليس لأن الدولة فوق النقد، بل لأن المساس بأساسها يفتح الباب لكل شيء. في هذا البعد، تصبح الوطنية حارسًا للثوابت، لا مجرد تعبير عن الانتماء.

لكن هذا الطرح لا يقف عند المنع، بل ينتقل إلى بعد أكثر تعقيدًا: تنظيم المجال العام. فالنقد، في خطاب دولة فيصل الفايز، ليس مرفوضًا، بل مُعاد تعريفه. هناك فرق بين نقدٍ يُصلح، ونقدٍ يتحول إلى منصة لإرباك الدولة. وهنا لا يُغلق الباب، بل يُعاد ضبطه. ليس كل ما يُقال يُبنى عليه، وليس كل صوتٍ يُعبّر عن وعي.

ثم يأتي البعد الأكثر رسوخًا في خطاباته، وهو الشرعية المركّبة: قيادة هاشمية، وشعب، وجيش. لكن هذه المعادلة، كما يعكسها الخطاب، ليست مجرد توازنٍ وظيفي، بل تقوم في جوهرها على القيادة الهاشمية بوصفها مركز الشرعية؛ شرعية تاريخية متجذرة في مسار الدولة، وشرعية إنجاز تأسست على بناء المؤسسات وصون الاستقرار، وشرعية روحية تتصل بالانتساب إلى نسل النبوة، بما يمنح هذا الدور بُعدًا يتجاوز السياسة إلى المعنى.

وإلى جانب ذلك، يبرز بوضوح بُعدٌ رابع لهذه الشرعية يتمثل في الدور العالمي للقيادة الهاشمية، حيث يحضر الأردن، بقيادته، في المحافل الدولية صوتًا للعقل والاعتدال، ومدافعًا عن القضايا العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، ومُسهمًا في ترسيخ الاستقرار الإقليمي والدولي، بما يمنح هذه الشرعية امتدادًا يتجاوز الحدود الوطنية إلى التأثير العالمي.

وفي خلفية هذا كله، يظهر بوضوح بُعدٌ آخر: الوطنية كأداة وقائية. فالتجربة من حولنا تقول إن الفوضى لا تبدأ من الشارع، بل من الكلمة. من هنا، يبدو تشديد دولة فيصل الفايز على ضبط الخطاب وكأنه قراءة استباقية، لا رد فعل. الدولة لا تسقط حين تُهاجم، بل حين يتآكل معناها من الداخل، وهذا ما يحاول هذا الخطاب أن يمنعه.

ولأن التحديات لم تعد تقليدية، فإن هذا البعد الوقائي يتسع ليشمل التحذير من أشكال جديدة من الاستهداف، وفي مقدمتها ما يُعرف بالذباب الإلكتروني الخارجي، الذي يعمل على بث الشائعات، وتضليل الرأي العام، ومحاولة النيل من ثقة الناس بدولتهم وقيادتهم. هذا النمط من الاستهداف لا يُواجَه بالسجالات، بل بالوعي، وبخطابٍ مسؤول يميّز بين النقد الوطني، وبين محاولات التشويه الممنهجة التي تتغذى على الفوضى.

ولا يمكن فصل هذا الخطاب عن بُعدٍ مركزي ظل حاضرًا في مواقف دولة فيصل الفايز، وهو القضية الفلسطينية بوصفها قضية وطنية وقومية في آنٍ معًا. في هذا السياق، لا تُطرح فلسطين كملف خارجي، بل كجزء من تعريف العدالة والاستقرار في المنطقة. الدفاع عنها ليس موقفًا سياسيًا فقط، بل امتداد لدور الأردن التاريخي، وتأكيد على أن الأمن الوطني لا ينفصل عن محيطه، وأن غياب العدالة في فلسطين يبقى مصدر توتر دائم يتجاوز الحدود.

وفي سياق داخلي لا يقل أهمية، يبرز بُعدٌ آخر يتعلق بالحياة الحزبية، حيث يظهر في خطاب دولة فيصل الفايز دعم واضح لمسار التحديث السياسي، لكن ضمن إطار يحفظ استقرار الدولة، ويمنع انزلاق العمل الحزبي إلى الفوضى أو الانقسام. فالحزبية، في هذا التصور، ليست غاية بحد ذاتها، بل وسيلة لتنظيم المشاركة السياسية، شريطة أن تبقى ضمن سقف وطني جامع، لا أن تتحول إلى أداة استقطاب أو صراع.

ولا يمكن فهم هذا الطرح دون التوقف عند بُعدٍ آخر يتكرر في كلماته، وهو استدعاء الذاكرة الوطنية. فالاستقلال، والتضحيات، والجيش، ليست مفردات للاحتفال، بل أدوات لإعادة تثبيت المعنى. وحين يضطرب الحاضر، تُستدعى الذاكرة لتعيد التوازن، وتُرسّخ السردية الوطنية.

وفي مقابل ذلك، يبرز بُعد الهوية الوطنية. في زمن تتكاثر فيه الهويات الفرعية، يعيد الخطاب التأكيد على أن "الأردني" هو القاسم المشترك الأعلى؛ ليس لإلغاء التنوع، بل لمنع تحوله إلى انقسام. الوطنية هنا ليست تضييقًا، بل محاولة لتوسيع المساحة المشتركة.

ويبقى البعد الأكثر حساسية، والأكثر صعوبة، وهو التوازن بين الاستقرار والمشاركة. دولة فيصل الفايز لا يطرح وطنية صامتة، لكنه لا يقبل بوطنية منفلتة. يحاول أن يمسك الخيط الرفيع بين حماية الدولة وترك مساحة للنقاش، وبين تعزيز الحياة السياسية ومنع انزلاقها إلى الفوضى.

في النهاية، ما يقدّمه خطاب دولة فيصل الفايز ليس موقفًا عابرًا، بل بنية متكاملة للوطنية: سيادة تُحمى، خطاب يُنظَّم، شرعية تتجذّر، وعيٌ يحصّن المجتمع، دعم للقضايا العادلة، وفي مقدمتها فلسطين، انخراط مسؤول في الحياة الحزبية، ذاكرة تُستدعى، هوية وطنية واحدة، ومشاركة تُضبط.

في زمن تتكاثر فيه الأصوات، تبقى الحقيقة أبسط مما نتصور: لسنا أمام معركة على من يتحدث… بل على من يفهم الدولة.

"الأردن أولًا" ليست جملة تُقال، بل موقف يُقاس. وهنا، يظهر الفرق بين من يتحدث عن الدولة… ومن يعرف كيف يحرسها.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/22 الساعة 12:09