الزبيدي تكتب : وجه أمي هو العيد

عالية علي الزبيدي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/19 الساعة 19:29
حين يطرق العيد أبواب الزمن، وتشرق شمسه لتملأ الدنيا ببهيج الحلل، أجدني أنكفئ على ذاتي، لا بحثاً عن زينة تُرى، بل عن جوهر يُعاش؛ فالعيد في مذهب الأدب ليس مجرد يوم في التقويم، بل هو حالة من الامتلاء الروحي، ولا أجد امتلاءً يضاهي وقوفي في حضرة أمي؛ تلك التي كانت وما تزال الأبجدية الأولى التي تهجّيت بها أبواب الحياة، والمرفأ الذي كلما تكسّرت بي أمواج العمر عدت إليه فنجوت.

يا سيدة النور، يا المعنى الذي لا يُستنفد، ويا بوصلة الروح التي لا تُخطئ الاتجاه… أكتب إليكِ وفي حبري غصة امتنان لا تنجلي، وفي صدري اتساع لا تملؤه الكلمات مهما تعاظمت، كأن اللغة كلها تقف على عتبة اسمك عاجزة. أنتِ الأصل الذي لولاه ما استقام فرع، وأنتِ “النصّ الأول” الذي انبثقت منه حروفي، و”الاستعارة الأبهى” التي كلما حاولت بلوغها بالكتابة ازددت يقيناً أني أقترب ولا أصل. كل بلاغة أوتيتها هي رشفة من فيض حنانك، وكل وعي نضج في داخلي هو أثر من آثارك، وكل قوة احتميت بها كانت دعاءً منك سبقني إلى الطريق.

في هذا العيد، تتسابق الحروف لتنصفك، لكنها تنكسر عند بابك، وتبدو ضئيلة أمام جلال عطائك الذي لا يُقاس. فكيف أصف يديك اللتين لم تكونا مجرد يدين، بل قدراً يُكتب لي بالرحمة في كل مرة تلامسانني؟ وكيف أختزل عينيك، وهما كونٌ كامل من الطمأنينة، كنتُ أرى فيه نفسي أجمل مما أنا، وأقوى مما أظن، وأنقى مما أستحق؟ إن العيد الحقيقي يا أمي ليس في صافي المصافحات، بل في تلك اللحظة التي أضع فيها رأسي على كتفك، فأشعر أن العالم بكل ثقله قد انحنى، وأن قلبي عاد طفلاً لا يعرف الخوف، وأن الحياة مهما قست تظل ممكنة لأنك فيها.

يا قبلة الحنين، يا معنى اللغة الذي لا يخون، إن قلمي الذي طالما طوّع المعاني، يقف اليوم بين يديك خاشعاً، كالتلميذ في حضرة معلمه الأول، بل أكثر؛ لأنك لستِ من علّمني فقط، بل من صنعتني. فما العيد إلا أنتِ، وما الفرح إلا ظل ابتسامتك، وما الطمأنينة إلا صوتك حين تنادينني. أنتِ العيد قبل العيد، وأنتِ اليقين في زمن الشك، وأنتِ الثبات حين يتبدل كل شيء.

أريدك أن تعلمي، وأنا التي أدمنت صياغة الوجدان، أن كل نجاح حققته، وكل حرف لامس قلب قارئ، وكل خطوة بدت لي إنجازاً… لم تكن لي وحدي، بل كانت لك أولاً، وبكِ، ومنكِ. أنتِ المعنى الخفي خلف كل وضوح، واليد التي لا تُرى لكنها تصنع كل شيء. وإن كان للأدب من صانعة، فأنتِ صانعة الأديبة، بل وأعظم من الأدب ذاته.

كل عام وأنتِ لروحي وطن لا يغيب، ودفء لا يخبو، ونور لا ينطفئ… كل عام وأنتِ الحياة حين تضيق الحياة، وأنتِ العيد الذي لا ينقضي.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/19 الساعة 19:29