بطاح يكتب: حين 'حرضّ' نتنياهو و 'تهور' ترامب!

د. أحمد بطاح
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/19 الساعة 15:03
إنّ معظم المحللين والمتابعين للحرب الإسرائيلية الأمريكية الدائرة الآن على إيران يتفقون على أنّها جاءت "بتحريض" من نتنياهو (وبخاصة في زيارته الأخيرة لواشنطن)، و"بتهور" واضح من ترامب الذي بدأ حرباً مؤذية ليس فقط لإيران بل لمنطقة الشرق الأوسط برمتها وللعالم والولايات المتحدة وبالذات من الناحية الاقتصادية، وقد أكدت هذه الحقيقة استقالة "جو كنت" مدير المركز الوطني الأمريكي لمحاربة الإرهاب حيث قال بصراحة بأنّ هذه الحرب غير مبررة وقد جاءت بتحريض من نتنياهو واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة.

ولكن... لماذا "حرضَ" نتنياهو على هذه الحرب؟ ولماذا "تهور" ترامب؟. فيما يتعلق بنتنياهو قد تكون العوامل الآتية هي الأهم:

أولاً: لطالما نظر نتنياهو إلى نفسه على أنه زعيم كبير ليس أقل من ديفيد بن غوريون أول رئيس لدولة إسرائيل ومؤسسها، وقد عزّز هذا الشعور لديه أنّ مدة حكمه طالت أكثر من مدة حكم بين غوريون حيث أصبح رئيس وزراء في إسرائيل منذ عام 1996 (باستثناء فترات قصيرة متقطعة)، ولذا فقد رأى أنْ يحقق لإسرائيل نصراً كبيراً على عدو مهم من أعدائها وهو إيران مُصوّراً للشعب الإسرائيلي أنّ خطرها على إسرائيل هو خطر "وجودي"، كما تخيل أن إيران ضعيفة نسبياً في هذه المرحلة ويمكن الإجهاز عليها.

ثانياً: أراد نتنياهو من خلال هذه الحرب أنّ يحرر نفسه من عقدة "السابع من أكتوبر" فقد استطاعت حماس خلال فترة حكمه أن تضرب إسرائيل ضربة موجعة كادت أن تطيح بها لولا الدعم الأمريكي غير المسبوق وغير المحدود، وعليه فقد رأى أنّ انتصاره على إيران يمحو من سجل إخفاقه الكبير (كرئيس وزراء وصاحب المسؤولية الأولى عن الدولة) في السابع من أكتوبر.

ثالثاً: يتعرض نتنياهو منذ سنوات لمحاكمات أمام القضاء الإسرائيلي بتُهم تتعلق بخيانة الأمانة والاحتيال والرشوة، ولعلّه رأى في هذه المعركة الكبرى التي يخوضها ضد عدو إقليمي مهم لإسرائيل فرصة للهروب من نتائج هذه المحاكمات، ولذا فقد طلب العفو عنه من الرئيس الإسرائيلي "هيرتزغ"، كما أوعز لصديقه ترامب أن يضغط على الرئيس الإسرائيلي كي يمارس صلاحياته في العفو عنه.

رابعاً: الانتخابات القادمة في إسرائيل حيث بدأ نتنياهو في الإعداد لها منذ سنة، وقد تصور أن "انتصاره" (إن حدث) على إيران سوف يزكيه في الانتخابات القادمة وهي انتخابات مصيرية له ولحزبه "الليكود" وبخاصة أن هذه الانتخابات تأتي بعد أحداث كبيرة في المنطقة طالت لبنان وسوريا واليمن ناهيك عن المعركة الكبرى التي خاضها نتنياهو في غزة وارتكب في إطارها "إبادة جماعية" قادت إلى اتهامه بجرائم حرب من قبل محكمة الجنايات الدولية.

أما فيما يتعلق بترامب فقد تكون العوامل الآتية هي التي أدت إلى "تهوره" وبدئه في هذه الحرب الجنونية بالتحالف مع إسرائيل:

أولاً: اعتقاد ترامب أنه رئيس قوي بل غير مسبوق وأنه قادر على اتخاذ قرارات لا يستطيع غيره من الرؤساء اتخاذها، وبما أن إيران تستعدي أمريكا منذ قيام الثورة الإيرانية في عام 1979 وتعتبرها "الشيطان الأكبر" فلا أحد يستطيع أن يؤدبها ويقلّم أظافرها غير رئيس قوي مثل ترامب!

ثانياً: أنه رئيس لا يستطيع أحد أن يتنبأ بقراراته فهو يقول الشيء ونقيضه، وهو يعلن عن أهداف ثم يغيرها بين ليلة وضحاها، وهو يبدأ مفاوضات (كما فعل مع إيران) ثم يهاجم في خضم المفاوضات وكل ذلك بخلاف المتوقع من رئيس أقوى دولة في العالم يُفترض أن يزن كلماته بدقة ويحترمها، كما يُفترض فيه أن يتميز بالمنطق في تصريحاته وخطبه، فضلاً عن قراراته ومواقفه السياسية.

ثالثاً: أنّ ترامب جاء من خلفية تجارية (صاحب صفقات عقارية) ولم يُعرف عنه التعمق في عالم السياسة وثقافات الشعوب، ولعلّ أول ما يدل على ذلك أنه انتظر أن تستسلم إيران استسلاما غير مشروط (Unconditional surrender) بسبب التحشيد العسكري الأمريكي حتى قبل أن تبدأ الحرب!، كما تخيل بعد الضربة الأولى التي قُتل فيها المرشد الإيراني خامنئي ومجموعة من كبار القادة أن يُستشار في اختيار المرشد الجديد وكأنّ إيران أصبحت مستعمرة أمريكية ناسياً أنّ إيران وبغض النظر عن طبيعة نظامها السياسي الحالي دولة كبيرة (90 مليون نسمة يعيشون في بلد مساحته مليون وستمائة ألف كم2)، وأنها صاحبة تاريخ إمبراطوري عريق حيث كانت تسيطر ذات يوم على معظم منطقة الشرق الأوسط.

رابعاً: أنّ ترامب كان يتوهم أنه يستطيع تحقيق نصر سريع حاسم (على غرار ما فعله في فنزويلا حين اختطف رئيسها الشرعي مادورو في جنح الظلام) في إيران، وقد توهم أيضاً أن الشعب الإيراني سوف يثور ضد نظامه بمجرد قطع رأس القيادة الإيرانية غير مدرك أن كثيراً من الإيرانيين قد يكونون ضد نظام بلادهم بالفعل ولكنهم لا يقبلون على أنفسهم أن يتعاونوا مع غازٍ خارجي يريد أن يتحكم بمصيرهم وبالذات إذا كان هذا الغازي الخارجي هو عدو لدود لهم مثل الولايات المتحدة وإسرائيل. وإذا تذكرنا أنّ الانخراط في حرب استنزافية مكلفة هو ضد توجهات حركة MAGA (لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى) التي جاءت بترامب رئيساً، بل وضد توجهات المواطن الأمريكي (أكثر من 60% من الأمريكيين لا يؤيدون الحرب) أدركنا مدى تهور ترامب في شن هذه الحرب التي لا يفهم كثيرون من الأمريكيين أهدافها ولا يتقبلون مبرراتها.

خامساً: أنّ ترامب يخوض هذه الحرب آملاً أن تساعده وتساعد حزبه على الفوز في الانتخابات النصفية القادمة للكونغرس (في تشرين الثاني - نوفمبر) والاحتفاظ بالتالي بالأغلبية التي يتمتع بها حالياً الحزب الجمهوري ولكن من الواضح أن تهور ترامب في حربه الحالية ومضاعفاتها التي بدأت تظهر الآن في الولايات المتحدة على شكل ارتفاع في أسعار الطاقة (ارتفع سعر البنزين أكثر من 20%) وما يترتب عليه من ارتفاع في أسعار السلع بشكل عام، قد تكون في غير صالحه "وصالح حزبه" في الانتخابات القادمة.

وفي المحصلة فقد "حرضّ" نتنياهو وتهور ترامب في شن هذه الحرب وها هو العالم (بما في ذلك الأمريكيون) يعانون من آثارها وانعكاساتها، ولكن الأمل يظل قائماً في أن يتصدى العقلاء في أرجاء العالم لهذا التحريض والتهور ويوقفوهما!!
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/19 الساعة 15:03