حدادين يكتب: تعطل المشاريع في ظل النزاع الإيراني: التحكيم الدولي وصعود الأردن كمحور قانوني إقليمي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/17 الساعة 23:03
أدى التصعيد العسكري المرتبط بالنزاع مع إيران إلى إحداث أثر مباشر وملموس على البيئة الاستثمارية والتجارية في الإقليم، حيث توقفت أو تعثرت بالفعل العديد من المشاريع في قطاعات حيوية تشمل الطاقة، والعقارات، والبنية التحتية، والإنشاءات، والنقل، نتيجة المخاطر الأمنية، وتعطل سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف التمويل والتأمين، فضلًا عن القيود التنظيمية التي فرضتها بعض الدول في مواجهة تداعيات هذا النزاع. ولم يعد الأمر مجرد احتمال نظري لتأثر المعاملات الاقتصادية، بل أصبح واقعًا قانونيًا ينعكس في توقف التنفيذ، وإعادة التفاوض على العقود، وتعليق الالتزامات، وانسحاب بعض المستثمرين أو تجميد استثماراتهم.
هذا الواقع يؤسس، من الناحية القانونية، لمرحلة لاحقة ستشهد ارتفاعًا غير مسبوق في حجم وتعقيد النزاعات التجارية والاستثمارية في المنطقة، ولا سيما في الدول التي تعرضت بشكل مباشر أو غير مباشر لتداعيات العمليات العسكرية أو التي تقع ضمن نطاق المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بها. فالمشاريع المتوقفة أو المتعثرة ستولد نزاعات بين المقاولين وأصحاب العمل، وبين المستثمرين والدول المضيفة، وبين الشركاء في المشاريع المشتركة، فضلًا عن النزاعات المرتبطة بسلاسل التوريد والعقود اللوجستية والتمويلية.
وفي هذا السياق، يصبح التحكيم التجاري الدولي الأداة القانونية الأكثر حضورًا وفاعلية في إدارة هذه النزاعات، نظرًا لما يوفره من حياد واستقلالية ومرونة إجرائية تتناسب مع طبيعة النزاعات العابرة للحدود. فالعقود الدولية، وخاصة في قطاعات الإنشاءات والطاقة، تتضمن في الغالب شروطًا تحكيمية تتيح للأطراف تجاوز القضاء الوطني واللجوء إلى هيئات تحكيم متخصصة قادرة على التعامل مع التعقيدات الفنية والقانونية المرتبطة بهذه النزاعات. وستكون المسائل المتعلقة بالقوة القاهرة، وتغير الظروف، وإعادة التوازن الاقتصادي للعقد، في صلب هذه المنازعات، حيث يتعين على هيئات التحكيم تقييم مدى انطباق هذه المفاهيم وفقًا لشروط العقد والقانون الواجب التطبيق.
كما أن التحكيم الاستثماري سيشهد بدوره تصاعدًا ملحوظًا، في ضوء لجوء المستثمرين الأجانب إلى تفعيل الحماية المقررة لهم بموجب معاهدات الاستثمار الثنائية ومتعددة الأطراف. فالتدابير التي قد تتخذها الدول، سواء تمثلت في فرض قيود على التحويلات المالية، أو تعديل الأطر التنظيمية، أو التدخل في بعض القطاعات الاقتصادية، قد تُفسر من قبل المستثمرين على أنها إخلال بالالتزامات الدولية، مما يفتح الباب أمام منازعات استثمارية تُحال إلى التحكيم الدولي. وفي المقابل، ستتمسك الدول بدفوع تستند إلى الضرورة والأمن القومي والنظام العام، وهو ما يضع هيئات التحكيم أمام تحدٍ قانوني يتمثل في تحقيق توازن دقيق بين حماية الاستثمار واحترام سيادة الدول في ظروف استثنائية.
إن المرحلة التالية للنزاع، أي المرحلة المتأخرة منه وما بعده، ستكون الأكثر كثافة من حيث النزاعات، إذ تبدأ فيها الآثار القانونية الكامنة بالظهور بشكل واضح، بعد أن تكون المشاريع قد توقفت أو تعرضت لخسائر كبيرة، وتكون العلاقات التعاقدية قد دخلت في حالة اضطراب. وفي هذه المرحلة، تتبلور المطالبات بالتعويض، وتُفعّل شروط تسوية النزاعات، وتنتقل الخلافات إلى الإطار الرسمي للتحكيم، سواء التجاري أو الاستثماري. ومن المتوقع أن تتسم هذه النزاعات بدرجة عالية من التعقيد، نظرًا لتداخل العوامل القانونية والاقتصادية والسياسية فيها.
في هذا الإطار، تبرز أهمية وجود مراكز تحكيم إقليمية قادرة على استيعاب هذا الحجم المتوقع من النزاعات، وتوفير بيئة قانونية محايدة وفعالة لتسويتها. ويملك الأردن مقومات حقيقية تؤهله للاضطلاع بدور قيادي في هذا المجال، سواء من حيث الإطار التشريعي المتقدم الذي ينظم التحكيم، أو من حيث التزامه بالاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وعلى رأسها اتفاقية نيويورك لعام 1958، أو من حيث كفاءة الجهاز القضائي في دعم العملية التحكيمية.
إضافة إلى ذلك، فإن الكفاءات القانونية الأردنية، التي راكمت خبرات مهمة في مجالات التحكيم التجاري والاستثماري على المستويين الإقليمي والدولي، تمثل ركيزة أساسية يمكن البناء عليها لتطوير منظومة تحكيم متكاملة. فوجود محكمين ومحامين ذوي خبرة دولية يساهم في تعزيز ثقة الأطراف في اختيار الأردن كمقر لإجراءات التحكيم أو كقانون واجب التطبيق على النزاع.
ومن هنا، فإن تأسيس مركز تحكيم أردني ذو طابع دولي لم يعد مجرد خيار تطويري، بل يمثل ضرورة استراتيجية تفرضها التحولات الإقليمية. ويتعين أن يقوم هذا المركز على أسس مؤسسية متقدمة، تضمن استقلاليته وكفاءته، وتتبنى قواعد إجرائية حديثة، وتوفر بنية تحتية قادرة على إدارة النزاعات المعقدة بكفاءة وسرعة. كما ينبغي أن يسعى إلى استقطاب النزاعات المرتبطة بالمشاريع المتأثرة بالنزاع الإقليمي، من خلال بناء سمعة دولية قائمة على المهنية والحياد.
إن ما تشهده المنطقة اليوم لا يقتصر على أزمة جيوسياسية عابرة، بل يؤسس لمرحلة قانونية جديدة ستتزايد فيها الحاجة إلى التحكيم كضامن لاستقرار المعاملات التجارية والاستثمارية. وفي هذا السياق، يمتلك الأردن فرصة حقيقية لتكريس موقعه كمركز إقليمي رائد في تسوية المنازعات، شريطة تبني رؤية متكاملة تستثمر في التشريع، والمؤسسات، والموارد البشرية، بما يواكب حجم التحديات والفرص التي تفرضها المرحلة المقبلة.
هذا الواقع يؤسس، من الناحية القانونية، لمرحلة لاحقة ستشهد ارتفاعًا غير مسبوق في حجم وتعقيد النزاعات التجارية والاستثمارية في المنطقة، ولا سيما في الدول التي تعرضت بشكل مباشر أو غير مباشر لتداعيات العمليات العسكرية أو التي تقع ضمن نطاق المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بها. فالمشاريع المتوقفة أو المتعثرة ستولد نزاعات بين المقاولين وأصحاب العمل، وبين المستثمرين والدول المضيفة، وبين الشركاء في المشاريع المشتركة، فضلًا عن النزاعات المرتبطة بسلاسل التوريد والعقود اللوجستية والتمويلية.
وفي هذا السياق، يصبح التحكيم التجاري الدولي الأداة القانونية الأكثر حضورًا وفاعلية في إدارة هذه النزاعات، نظرًا لما يوفره من حياد واستقلالية ومرونة إجرائية تتناسب مع طبيعة النزاعات العابرة للحدود. فالعقود الدولية، وخاصة في قطاعات الإنشاءات والطاقة، تتضمن في الغالب شروطًا تحكيمية تتيح للأطراف تجاوز القضاء الوطني واللجوء إلى هيئات تحكيم متخصصة قادرة على التعامل مع التعقيدات الفنية والقانونية المرتبطة بهذه النزاعات. وستكون المسائل المتعلقة بالقوة القاهرة، وتغير الظروف، وإعادة التوازن الاقتصادي للعقد، في صلب هذه المنازعات، حيث يتعين على هيئات التحكيم تقييم مدى انطباق هذه المفاهيم وفقًا لشروط العقد والقانون الواجب التطبيق.
كما أن التحكيم الاستثماري سيشهد بدوره تصاعدًا ملحوظًا، في ضوء لجوء المستثمرين الأجانب إلى تفعيل الحماية المقررة لهم بموجب معاهدات الاستثمار الثنائية ومتعددة الأطراف. فالتدابير التي قد تتخذها الدول، سواء تمثلت في فرض قيود على التحويلات المالية، أو تعديل الأطر التنظيمية، أو التدخل في بعض القطاعات الاقتصادية، قد تُفسر من قبل المستثمرين على أنها إخلال بالالتزامات الدولية، مما يفتح الباب أمام منازعات استثمارية تُحال إلى التحكيم الدولي. وفي المقابل، ستتمسك الدول بدفوع تستند إلى الضرورة والأمن القومي والنظام العام، وهو ما يضع هيئات التحكيم أمام تحدٍ قانوني يتمثل في تحقيق توازن دقيق بين حماية الاستثمار واحترام سيادة الدول في ظروف استثنائية.
إن المرحلة التالية للنزاع، أي المرحلة المتأخرة منه وما بعده، ستكون الأكثر كثافة من حيث النزاعات، إذ تبدأ فيها الآثار القانونية الكامنة بالظهور بشكل واضح، بعد أن تكون المشاريع قد توقفت أو تعرضت لخسائر كبيرة، وتكون العلاقات التعاقدية قد دخلت في حالة اضطراب. وفي هذه المرحلة، تتبلور المطالبات بالتعويض، وتُفعّل شروط تسوية النزاعات، وتنتقل الخلافات إلى الإطار الرسمي للتحكيم، سواء التجاري أو الاستثماري. ومن المتوقع أن تتسم هذه النزاعات بدرجة عالية من التعقيد، نظرًا لتداخل العوامل القانونية والاقتصادية والسياسية فيها.
في هذا الإطار، تبرز أهمية وجود مراكز تحكيم إقليمية قادرة على استيعاب هذا الحجم المتوقع من النزاعات، وتوفير بيئة قانونية محايدة وفعالة لتسويتها. ويملك الأردن مقومات حقيقية تؤهله للاضطلاع بدور قيادي في هذا المجال، سواء من حيث الإطار التشريعي المتقدم الذي ينظم التحكيم، أو من حيث التزامه بالاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وعلى رأسها اتفاقية نيويورك لعام 1958، أو من حيث كفاءة الجهاز القضائي في دعم العملية التحكيمية.
إضافة إلى ذلك، فإن الكفاءات القانونية الأردنية، التي راكمت خبرات مهمة في مجالات التحكيم التجاري والاستثماري على المستويين الإقليمي والدولي، تمثل ركيزة أساسية يمكن البناء عليها لتطوير منظومة تحكيم متكاملة. فوجود محكمين ومحامين ذوي خبرة دولية يساهم في تعزيز ثقة الأطراف في اختيار الأردن كمقر لإجراءات التحكيم أو كقانون واجب التطبيق على النزاع.
ومن هنا، فإن تأسيس مركز تحكيم أردني ذو طابع دولي لم يعد مجرد خيار تطويري، بل يمثل ضرورة استراتيجية تفرضها التحولات الإقليمية. ويتعين أن يقوم هذا المركز على أسس مؤسسية متقدمة، تضمن استقلاليته وكفاءته، وتتبنى قواعد إجرائية حديثة، وتوفر بنية تحتية قادرة على إدارة النزاعات المعقدة بكفاءة وسرعة. كما ينبغي أن يسعى إلى استقطاب النزاعات المرتبطة بالمشاريع المتأثرة بالنزاع الإقليمي، من خلال بناء سمعة دولية قائمة على المهنية والحياد.
إن ما تشهده المنطقة اليوم لا يقتصر على أزمة جيوسياسية عابرة، بل يؤسس لمرحلة قانونية جديدة ستتزايد فيها الحاجة إلى التحكيم كضامن لاستقرار المعاملات التجارية والاستثمارية. وفي هذا السياق، يمتلك الأردن فرصة حقيقية لتكريس موقعه كمركز إقليمي رائد في تسوية المنازعات، شريطة تبني رؤية متكاملة تستثمر في التشريع، والمؤسسات، والموارد البشرية، بما يواكب حجم التحديات والفرص التي تفرضها المرحلة المقبلة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/17 الساعة 23:03