تزييف القناعات.. كيف يدفعنا الذكاء الاصطناعي للشراء بمعلومات غير دقيقة

مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/16 الساعة 18:38
مدار الساعة -كشف بحث جديد من جامعة كاليفورنيا في سان دييغو عن تناقض صارخ في سلوك المستهلكين المعاصرين، حيث أكد زيادة احتمالية شراء المنتجات بناءً على ملخصات يولدها الذكاء الاصطناعي رغم افتقارها للدقة.

الدراسة التي عُرضت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 ضمن أعمال المؤتمر الدولي المشترك الرابع عشر لمعالجة اللغة الطبيعية، قُدمت على أنها الأولى من نوعها التي ترصد كيف تُفضي الانحيازات المعرفية التي تحدثها نماذج اللغة الكبيرة إلى عواقب فعلية على سلوك المستخدمين، وهي كذلك أول مشروع يقيس الأثر الكمي لتأثير الذكاء الاصطناعي على البشر.

الأرقام التي تروي القصة

جرى اختبار 70 مشاركاً، تم تقسيمهم إلى مجموعتين، الأولى قرأت مراجعات المنتجات الأصلية كما كتبها المستهلكون، والثانية قرأت ملخصاتها أعدها الذكاء الاصطناعي.

النتيجة: أعلن 52% فقط ممن قرأوا المراجعات الأصلية نيتهم الشراء، في حين ارتفع هذا الرقم إلى 84% بين من قرأوا الملخصات الآلية، وحين كانت الملخصات إيجابية بالتحديد، بلغت نسبة نية الشراء 83.7% مقابل 52.3% للمراجعات الأصلية.

استخدم الباحثون في تجربتهم 6 نماذج لغوية كبيرة متطورة، وفحصوا من خلالها 1,000 مراجعة مخصصة للأجهزة الإلكترونية، إضافة إلى 1,000 مقابلة أجرتها وسائل الإعلام.

وشملت الدراسة أيضاً قاعدة بيانات إخبارية ضخمة تحتوي على 8,500 عنصر متنوع، وذلك بهدف رصد أي انحياز قد يظهر في النتائج.

كما راقب الفريق بدقة كيف تُغير الآلة نبرة المشاعر في المحتوى، وكيف تركز بشكل مفرط على المعلومات الواردة في بداية النصوص فقط، فضلاً عن رصد حالات "الهلوسة" التي تبتكر فيها التقنية معلومات لا وجود لها أصلاً.

لماذا يحدث هذا؟

رصد الباحثون سببين رئيسيين يفسران هذه الظاهرة، الأول يتعلق بما يعرف بظاهرة "الضياع في الوسط"، إذ تميل نماذج اللغة الكبيرة إلى التركيز على بداية النص المُدخل أكثر من بقيته، أما السبب الثاني فيكمن في تراجع موثوقية هذه النماذج عند معالجة معلومات غير واردة ضمن بيانات تدريبها.

وبحسب تصريحات الخبراء لموقع "Live Science"، فإن النماذج تميل إلى الخطأ في تحديد ما إذا كان الحدث قد وقع أم لا، وقد تُقر بشكل خاطئ بأن حدثاً ما لم يقع قط، حتى لو وقع فعلاً بعد انتهاء تدريب النموذج.

وأضافت الأرقام وضوحاً إلى الصورة، حيث غيرت النماذج مشاعر المراجعات الأصلية في 26.5% من الحالات، فيما هلوست في 60% من المرات حين سألها المستخدمون عن المنتجات.

ما وراء قرار الشراء

حذر الباحثون من أن تأثير الذكاء الاصطناعي قد يصبح خطراً حقيقياً في المواقف المصيرية، رغم أن الاختبار الحالي ركز على مواقف بسيطة.

ولفت الفريق إلى أن الاعتماد على ملخصات الآلة في مراجعة الملفات الطبية أو طلبات الالتحاق بالجامعات قد يغير وجهة نظر المسؤولين تجاه مريض أو طالب تماماً، بسبب الطريقة التي تعيد بها البرامج صياغة المعلومات وتغيير سياقها الأصلي.

وأوضح العلماء أن هذا البحث يمثل خطوة جادة لفهم كيف يتلاعب الذكاء الاصطناعي بالمحتوى الذي يقرأه البشر، كما يسعى الفريق من خلال هذه النتائج إلى وضع ضوابط تحد من الانحيازات الرقمية في قطاعات حيوية، مثل الإعلام والتعليم والسياسة، لضمان ألا ترسم الآلة واقعاً مزيفاً يؤثر على القرارات العامة تأثيراً سلبياً أو غير عادل.

في النهاية فإن ملخصات الذكاء الاصطناعي لا تنقل المعلومة فحسب، بل تُعيد تشكيل الإطار الذهني الذي تُقرأ فيه، قبل أن تستند إلى ملخص آلي في قرار مهم -سواء كان شراءً أو تقييماً أو حكماً- ليصبح من الضروري العودة إلى المصدر الأصلي، لأن ما يُقدمه الذكاء الاصطناعي كثيراً ما يكون نسخة معاد صياغتها من الحقيقة، لا الحقيقة ذاتها.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/16 الساعة 18:38