عباسي تكتب: حين تبدأ حكاية الانتماء للوطن بأغنية

د. هبة عباسي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/12 الساعة 21:40
كثيرٌ منّا تعلّم حبّ الوطن قبل أن يفهم معناه.... اليوم نحن بأمسّ الحاجة إلى أن تعود الأغاني التي تتناول حبّ الوطن والأرض، كأغانينا الوطنيّة والتراثيّة الأردنّيّة، لتكون جزءًا حيًّا من يومياتنا. فأبناؤنا يحتاجون أن يروا ويسمعوا ويحفظوا أغنيات وطنهم؛ أن يكبروا وهم يترنّمون بالأردنّ ومحافظاته، بجباله وسهوله، بسمائه وأرضه. فحبّ الوطن لا يتكوّن بالكلمات فقط، بل يتشكّل أيضًا من الأصوات التي ترافق طفولتنا وتبقى في الذاكرة.

أذكر جيدًا كيف تشكّل هذا الحب في داخلي أنا وإخوتي منذ الصغر. كانت صباحات بيتنا تبدأ بنغمة شارة مقدّمة الأخبار عبر الإذاعة الأردنّيّة، ثم تتبعها الأغنيات التي كانت تملأ المنزل دفئًا وطمأنينة. وبينما كنت أستعدّ للذهاب إلى المدرسة، كانت أصوات الفنّانين الكبار ترافق بداية النهار؛ أغنيات التراث بصوت توفيق النمري، والأغاني البدوية التي اشتهرت بها سميرة توفيق. كانت تلك الأصوات جزءًا من تفاصيل يومنا، وكأنها تقول لنا في كل صباح؛ هذا هو صوت الأردنّ.

ولم تكن تلك الأغنيات فقط من أصوات أردنّية؛ فقد تغنّى بالأردنّ أيضًا فنانون عرب كبار، وخلّدوا هذا الوطن في أغنيات حفرت مكانها في ذاكرتنا، مثل "أردنّ أرض العزم"، و"أرخت عمّان جدائلها"، و"أعود… وكلي حنين أعود". ما أجمل تلك الأغاني والألحان التي ما زالت تتردّد في الذاكرة، تتغنّى بجمال الأردنّ وتعيدنا في كل مرة إلى ذلك الشعور الأول بحب الوطن.

وفي الطريق إلى المدرسة كانت الإذاعة الأردنّيّة تواصل حضورها في حياتنا، تبثّ الأغنيات الوطنيّة والتراثيّة التي كبرنا عليها. وعند عودتنا إلى المنزل كان والدي يضع لنا أيضًا الأغاني الوطنيّة في السيارة، فنغنّيها بحماس ونصفّق مع إيقاعها. وكانت الأغنيات الأردنّيّة التي تتغنّى بالأردنّ وبالعائلة الهاشميّة كثيرة، من أصوات فنّانين كبار ومن أجيال مختلفة.

وما زلت أذكر من بينها أغنية "هاشمي هاشمي وأنا أشهد هاشمي" بصوت عمر العبداللات.

كنا نغنّيها بحماس ونحن نجلس في المقعد الخلفي، بينما يراقبنا والدي عبر المرآة بابتسامة مليئة بالفخر والطمأنينة... لم يكن فرحه فقط لأننا نغنّي، بل لأنه كان مؤمنًا بقيادتنا الهاشميّة الحكيمة، وكان هذا الإيمان جزءًا من شخصيته ومن نظرته للأردنّ. ومن خلال تلك اللحظات البسيطة نقل إلينا هذا الشعور دون أن نشعر؛ محبّة الأردنّ ومحبة قيادتنا الهاشميّة والاعتزاز بها. كبرت هذه المعرفة فينا منذ الصغر، واستقرت في أرواحنا وعقولنا كجزء طبيعي من فهمنا لوطننا وهويته.

ولم تكن الأغنيات الوطنيّة ترافقنا في حياتنا اليومية فقط، بل كانت حاضرة أيضًا في لحظات الفرح الوطني التي تجمع الأردنّيين. أتذكر كيف خرجنا مع والدي للاحتفال مع الناس بعد فوز منتخبنا الأردنّي في إحدى البطولات العربية؛ كانت الأغاني الوطنيّة تصدح في الشوارع والسيارات، وكأنها اللغة التي نعبر بها جميعًا عن فرحتنا. كما عشنا لحظات وطنيّة أخرى لا تقل أثرًا في الذاكرة؛ يوم عاد جلالة الملك الحسين، رحمه الله، من رحلة العلاج، ويوم فرح الأردنّيون بتولّي جلالة الملك عبد الله الثاني، حفظه الله، سلطاته الدستوريّة واعتلائه العرش الهاشميّ. في تلك اللحظات أيضًا كانت الأغنية الوطنيّة حاضرة، تجمع الناس حول معنى واحد؛ حبّ الأردنّ.

ومع مرور الزمن تغيّرت الأدوار. لم أعد الطفلة التي تغنّي في المقعد الخلفي لسيارة والدي، بل أصبحت أمًّا أنقل لأبنائي ما تعلّمته في طفولتي. أحرص أن يكبروا وهم يسمعون الأغنيات الوطنيّة والتراثيّة الأردنّيّة التي كبرنا عليها، وأن يعيشوا ذلك الشعور نفسه بالانتماء والاعتزاز.

ولم يعد هذا الدور يقتصر على أبنائي فقط، بل أصبح جزءًا من رسالتي أيضًا في الجامعة، حيث أنقل لطلبتي، بطريقة أو بأخرى، هذا الشعور العميق بمحبة الأردنّ والاعتزاز بقيادته الهاشميّة. فحبّ الوطن، كما تعلّمناه نحن، لا يُدرَّس بالكلمات فقط، بل يُزرع في التفاصيل الصغيرة التي يعيشها الإنسان يومًا بعد يوم، وينتقل من جيل إلى جيل، في البيت كما في المدرسة والجامعة، عبر الكلمة والأغنية والذكرى.

وربما لهذا السبب، نحن اليوم بأمسّ الحاجة إلى أن نعيد هذه الأغنيات إلى حياة أبنائنا. الأغاني الوطنية والتراثية ليست مجرد ألحان جميلة، بل هي ناقل طبيعي للذاكرة والهويّة والانتماء والتربية المدنيّة بمختلف أشكالها. ومن خلالها يتعرّف الطفل إلى وطنه، وإلى قصصه وأرضه وتاريخه. لذلك تبقى مسؤوليّتنا، نحن الأهل والمربين، أن نزرع في أبنائنا حبّ الأردنّ منذ الصغر، وأن نعرّفهم إلى أغنياته وتراثه، لأن الموسيقى كثيرًا ما تكون الطريق الأقرب إلى القلب، والأسرع في غرس محبّة الوطن في النفوس.

لذلك أقول بكل امتنان؛ شكرًا لأبي وأمي اللذين علّمونا، أنا وإخوتي، أن نحب هذا الوطن الشامخ، وأن نعتزّ بأرضه وتراثه وأغنياته. فقد زرعا فينا ذلك الشعور العميق بالانتماء الذي يكبر معنا عامًا بعد عام.

واليوم، حين أستمع كل صباح إلى أغنياتنا الوطنيّة والتراثيّة، أشعر أن أجمل ما يمكن أن يجتمع، بالنسبة لي، هو الموسيقى والوطن. فالموسيقى ليست مجرد لحن؛ إنها ذاكرة، وهويّة، وقصّة شعب.

أحبّك يا أردنّ… وستبقى أغنياتك تحكي قصتك في قلوبنا جيلاً بعد جيل.

حفظك الله وأدامك وطنًا للكرامة والفرح.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/12 الساعة 21:40