أزمة الضمان الاجتماعي ومسؤولية الحكومات السابقة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/11 الساعة 03:24
بدأت لجنة العمل في مجلس النواب مناقشة مشروع القانون المعدل لقانون الضمان الاجتماعي لسنة 2025، حيث كان التوافق لافتا في التصريحات التي صدرت عن المسؤولين في السلطتين التشريعية والتنفيذية بأن تعديلات قانون "الضمان" تهدف إلى معالجة تحديات مالية مستقبلية وضمان استدامة هذه المؤسسة الحيوية. كما أشارت هذه المواقف إلى أن المشاكل التي يسعى القانون المعدل إلى معالجتها تعود في جزء منها إلى تأخر الحكومات السابقة في التعامل الجدي مع ملف الضمان الاجتماعي، واعتماد سياسة ترحيل الأزمات والتحديات لتتراكم مع مرور الوقت.
إن هذا التوافق في تشخيص المشكلة يثير تساؤلات دستورية مهمة حول الكيفية التي تمارس فيها الحكومات ولايتها العامة في إدارة شؤون الدولة الداخلية والخارجية، وطبيعة المسؤولية التي تقع على عاتقها عندما تتردد في اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بإدارة ملفات استراتيجية تمس المجتمع بأسره، وفي مقدمتها ملف الضمان الاجتماعي.
فالحكومة أثناء وجودها في موقع المسؤولية تخضع لرقابة سياسية يمارسها مجلس النواب من خلال حق أعضائه في توجيه الأسئلة والاستجوابات وطلب طرح الثقة بالوزارة مجتمعة أو بأي من الوزراء العاملين فيها. كما تخضع لرقابة الرأي العام بأشكاله المختلفة، حيث يفرز الضغط الشعبي والإعلامي تأثيرا مباشرا في مسارات القرارات الحكومية.
غير أن هذه المسؤولية ترتبط في الأساس بوجود الحكومة في موقعها؛ فبمجرد مغادرتها السلطة تصبح هذه الأدوات الرقابية غير قابلة للتطبيق، ويشعر المسؤول الوزاري السابق في كثير من الأحيان وكأنه قد حصل على "عفو سياسي شامل" عن السياسات والقرارات التي اتخذها أثناء توليه المسؤولية العامة.
إن استحالة تطبيق المسؤولية الدستورية بعد إقالة الحكومة من قبل جلالة الملك لا تعني بالضرورة انتهاء النقاش حول المسؤولية السياسية بمعناها الأوسع. فالحكومات، حتى بعد مغادرتها السلطة، تبقى جزءا من ذاكرة القرار العام، ويبقى من حق المجتمع أن يتساءل عن طبيعة القرارات التي صدرت في وقت معين، والأسباب التي أدت إلى تأجيل قرارات أخرى كان يمكن أن تعالج المشكلة في مراحل مبكرة.
وفي خضم هذا النقاش، يسجل لرئيس الحكومة الحالية أنه واجه ملف الضمان الاجتماعي بشكل مباشر، وتصدى له رغم ما قد يترتب على ذلك من كُلف سياسية أو تراجع في شعبيته. فلم يلجأ إلى الاختباء وراء الظروف السياسية الداخلية أو الإقليمية، رغم أن المنطقة تمر بظروف استثنائية لم تشهد قسوتها الحكومات السابقة، في ظل حروب ونزاعات غير مسبوقة. ومع ذلك، فقد أصر على طرح تعديلات على قانون الضمان الاجتماعي رغم ما أثارته من جدل وسخط في الأوساط الشعبية.
كما يحسب للرئيس الحالي أنه خرج عن تقاليد "الدبلوماسية السياسية" في التعامل مع الحكومات السابقة، عندما أشار بوضوح إلى أن من سبقوه في موقع المسؤولية كان ينبغي عليهم أن يتعاملوا مع ملف الضمان الاجتماعي بأسلوب مختلف، بشكل كان يمكن معه التخفيف من حدة التعديلات المطروحة اليوم. وهو الرأي ذاته الذي عبر عنه كبار المسؤولين في مجلس النواب.
إن التباين في إدارة الشؤون العامة بين الحكومات يبقى ظاهرة دستورية طبيعية ترتبط بأسلوب الحكم الذي يختاره كل رئيس لوزارته، وبالأولويات التي يقدمها وفق رؤيته السياسية ومعطيات المرحلة التي تمر بها حكومته. إلا أن التعاطي مع ملفات حيوية تمس الأردنيين جميعا، كملف الضمان الاجتماعي، ينبغي أن لا يخضع لحسابات سياسية ضيقة أو لسلطات تقديرية من شأنها أن تؤدي إلى تأجيل المعالجة إلى مراحل لاحقة تصبح فيها الحلول أكثر صعوبة وكلفة.
وعليه، فإن مبدأ المسؤولية السياسية والتي عبّر عنها المشرع الدستوري بوسائل رقابية على الحكومة القائمة أمام مجلس النواب، يجب أن ينسحب على الحكومات السابقة بأشكال وأنماط مختلفة تتمثل في الإدانة الشعبية وكشف التقصير والتباطؤ في اتخاذ القرارات. فهذه السلبية من الحكومات السابقة والتأخير في التعاطي مع الملفات الحيوية ليس بالضرورة أن يكون له بعد جزائي أو مسؤولية قانونية، بسبب احتمال انتفاء القصد المعنوي من العلم والإرادة. غير أن ذلك لا يمنع من استخلاص الدروس من التجربة الحالية، والتأكيد على أهمية توفير قدر أكبر من الوضوح والمصارحة بين صانع القرار والمجتمع، بما يسهم في بناء الثقة وتجنب تراكم الأزمات في المستقبل.
كما أن النقاش الدائر اليوم حول تأخر معالجة ملف الضمان الاجتماعي يجب أن يشكل فرصة لمراجعة أوسع لآليات صنع القرار في السياسات العامة طويلة الأمد. فالقضايا التي تمس الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لا يجوز أن تبقى رهينة الاعتبارات السياسية الآنية، بل ينبغي أن تدار ضمن رؤية مؤسسية تراعي مصالح الدولة والمجتمع على المدى البعيد.
وفي المحصلة، فإن جوهر النظام الدستوري القائم على المسؤولية السياسية يقتضي ألا تقف المساءلة عند حدود الحكومة القائمة، بل أن تمتد في بعدها الاجتماعي والسياسي إلى تقييم السياسات العامة التي اعتمدتها الحكومات المتعاقبة. فإدارة الملفات الاستراتيجية، وفي مقدمتها ملف الضمان الاجتماعي، يجب أن تخضع لمنطق القرار المبكر في السياسات العامة، بحيث لا تتحول التحديات المتوقعة إلى أزمات مؤجلة تتحمل كلفتها الأجيال اللاحقة.
إن هذا التوافق في تشخيص المشكلة يثير تساؤلات دستورية مهمة حول الكيفية التي تمارس فيها الحكومات ولايتها العامة في إدارة شؤون الدولة الداخلية والخارجية، وطبيعة المسؤولية التي تقع على عاتقها عندما تتردد في اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بإدارة ملفات استراتيجية تمس المجتمع بأسره، وفي مقدمتها ملف الضمان الاجتماعي.
فالحكومة أثناء وجودها في موقع المسؤولية تخضع لرقابة سياسية يمارسها مجلس النواب من خلال حق أعضائه في توجيه الأسئلة والاستجوابات وطلب طرح الثقة بالوزارة مجتمعة أو بأي من الوزراء العاملين فيها. كما تخضع لرقابة الرأي العام بأشكاله المختلفة، حيث يفرز الضغط الشعبي والإعلامي تأثيرا مباشرا في مسارات القرارات الحكومية.
غير أن هذه المسؤولية ترتبط في الأساس بوجود الحكومة في موقعها؛ فبمجرد مغادرتها السلطة تصبح هذه الأدوات الرقابية غير قابلة للتطبيق، ويشعر المسؤول الوزاري السابق في كثير من الأحيان وكأنه قد حصل على "عفو سياسي شامل" عن السياسات والقرارات التي اتخذها أثناء توليه المسؤولية العامة.
إن استحالة تطبيق المسؤولية الدستورية بعد إقالة الحكومة من قبل جلالة الملك لا تعني بالضرورة انتهاء النقاش حول المسؤولية السياسية بمعناها الأوسع. فالحكومات، حتى بعد مغادرتها السلطة، تبقى جزءا من ذاكرة القرار العام، ويبقى من حق المجتمع أن يتساءل عن طبيعة القرارات التي صدرت في وقت معين، والأسباب التي أدت إلى تأجيل قرارات أخرى كان يمكن أن تعالج المشكلة في مراحل مبكرة.
وفي خضم هذا النقاش، يسجل لرئيس الحكومة الحالية أنه واجه ملف الضمان الاجتماعي بشكل مباشر، وتصدى له رغم ما قد يترتب على ذلك من كُلف سياسية أو تراجع في شعبيته. فلم يلجأ إلى الاختباء وراء الظروف السياسية الداخلية أو الإقليمية، رغم أن المنطقة تمر بظروف استثنائية لم تشهد قسوتها الحكومات السابقة، في ظل حروب ونزاعات غير مسبوقة. ومع ذلك، فقد أصر على طرح تعديلات على قانون الضمان الاجتماعي رغم ما أثارته من جدل وسخط في الأوساط الشعبية.
كما يحسب للرئيس الحالي أنه خرج عن تقاليد "الدبلوماسية السياسية" في التعامل مع الحكومات السابقة، عندما أشار بوضوح إلى أن من سبقوه في موقع المسؤولية كان ينبغي عليهم أن يتعاملوا مع ملف الضمان الاجتماعي بأسلوب مختلف، بشكل كان يمكن معه التخفيف من حدة التعديلات المطروحة اليوم. وهو الرأي ذاته الذي عبر عنه كبار المسؤولين في مجلس النواب.
إن التباين في إدارة الشؤون العامة بين الحكومات يبقى ظاهرة دستورية طبيعية ترتبط بأسلوب الحكم الذي يختاره كل رئيس لوزارته، وبالأولويات التي يقدمها وفق رؤيته السياسية ومعطيات المرحلة التي تمر بها حكومته. إلا أن التعاطي مع ملفات حيوية تمس الأردنيين جميعا، كملف الضمان الاجتماعي، ينبغي أن لا يخضع لحسابات سياسية ضيقة أو لسلطات تقديرية من شأنها أن تؤدي إلى تأجيل المعالجة إلى مراحل لاحقة تصبح فيها الحلول أكثر صعوبة وكلفة.
وعليه، فإن مبدأ المسؤولية السياسية والتي عبّر عنها المشرع الدستوري بوسائل رقابية على الحكومة القائمة أمام مجلس النواب، يجب أن ينسحب على الحكومات السابقة بأشكال وأنماط مختلفة تتمثل في الإدانة الشعبية وكشف التقصير والتباطؤ في اتخاذ القرارات. فهذه السلبية من الحكومات السابقة والتأخير في التعاطي مع الملفات الحيوية ليس بالضرورة أن يكون له بعد جزائي أو مسؤولية قانونية، بسبب احتمال انتفاء القصد المعنوي من العلم والإرادة. غير أن ذلك لا يمنع من استخلاص الدروس من التجربة الحالية، والتأكيد على أهمية توفير قدر أكبر من الوضوح والمصارحة بين صانع القرار والمجتمع، بما يسهم في بناء الثقة وتجنب تراكم الأزمات في المستقبل.
كما أن النقاش الدائر اليوم حول تأخر معالجة ملف الضمان الاجتماعي يجب أن يشكل فرصة لمراجعة أوسع لآليات صنع القرار في السياسات العامة طويلة الأمد. فالقضايا التي تمس الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لا يجوز أن تبقى رهينة الاعتبارات السياسية الآنية، بل ينبغي أن تدار ضمن رؤية مؤسسية تراعي مصالح الدولة والمجتمع على المدى البعيد.
وفي المحصلة، فإن جوهر النظام الدستوري القائم على المسؤولية السياسية يقتضي ألا تقف المساءلة عند حدود الحكومة القائمة، بل أن تمتد في بعدها الاجتماعي والسياسي إلى تقييم السياسات العامة التي اعتمدتها الحكومات المتعاقبة. فإدارة الملفات الاستراتيجية، وفي مقدمتها ملف الضمان الاجتماعي، يجب أن تخضع لمنطق القرار المبكر في السياسات العامة، بحيث لا تتحول التحديات المتوقعة إلى أزمات مؤجلة تتحمل كلفتها الأجيال اللاحقة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/11 الساعة 03:24