مساعدة يكتب: وطنٌ بالقيمِ يسمو إلى القِمَم… الأردن نموذجًا

جهاد المساعدة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/07 الساعة 15:58
ليست القمم التي يبلغها الوطن مجرد ارتفاعٍ في سلم الإنجاز، ولا حضورًا في تقارير التنمية، بل هي ثمرة طريقٍ طويل يبدأ من القيم. فالأوطان التي تحرس قيمها لا تخشى الطريق إلى القمم؛ لأنها تسير على أرضٍ صلبة من المعنى والهوية. ومن هنا يمكن قراءة قصة الأردن؛ قصة وطنٍ أدرك منذ نشأته أن الطريق إلى القمم يبدأ من القيم.

فالأوطان لا تُقاس بما تملك من الأرض وحدها، ولا بما تشيده من عمران، بل بما تغرسه في ضمائر أبنائها من منظومة قيمٍ تهدي الطريق وتمنح المعنى. فالقيم هي الروح التي تسري في جسد الوطن، وهي البوصلة التي تضبط اتجاهه في زمن التحديات والتحولات. وحين تستقيم القيم، يصبح التقدم نتيجةً طبيعية، لا حدثًا عابرًا.

لقد علّمتنا تجارب الأمم أن القمم لا تُبنى بالموارد وحدها، ولا تُصنع بالصدفة، بل تُصنع حين تتحول القيم إلى ثقافةٍ عامة وسلوكٍ يومي. فالأمانة في العمل، والعدل في القرار، والنزاهة في الإدارة، والانتماء الصادق للوطن، ليست فضائل أخلاقية فحسب، بل قواعد راسخة لنهضة الدول واستقرارها.

ومن هنا تبدو التجربة الأردنية ذات دلالةٍ عميقة. فالأردن لم يكن يومًا بلدًا واسع الموارد، لكنه كان دائمًا واسع المعنى. ومنذ تأسيس الدولة الأردنية الحديثة، قامت فلسفتها على منظومة قيمٍ واضحة: الاعتدال، وسيادة القانون، واحترام الإنسان، والوفاء للقيادة الهاشمية التي حملت رسالة النهضة العربية، وجعلت الإنسان محور البناء وغاية التنمية.

لقد مرّ الأردن بمحطاتٍ صعبة في محيطٍ إقليمي مضطرب، لكنه بقي ثابتًا كجبلٍ لا تهزه الرياح. والسر في ذلك ليس في الجغرافيا، بل في القيم التي صاغت شخصية الدولة والمجتمع معًا. فحين تتجذر الحكمة في القيادة، ويتجسد الانتماء في الشعب، يصبح الاستقرار نتيجةً طبيعية، وتصبح القدرة على التقدم ممكنة مهما كانت التحديات.

واليوم يمضي الأردن بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، في مسارات التحديث السياسي والاقتصادي والإداري، إدراكًا بأن بناء المستقبل لا يتحقق بالشعارات، بل بترسيخ قيم العمل والكفاءة والنزاهة في مؤسسات الدولة. فالإصلاح الحقيقي لا يقتصر على النصوص والبرامج، بل يبدأ من ثقافةٍ وطنية تجعل خدمة الوطن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع.

وفي قلب هذه المسيرة يقف الإنسان الأردني؛ الجندي الذي يحرس حدود الوطن، والمعلم الذي يبني العقول، والشاب الذي يحمل طموحه ليصنع غدًا أفضل. هؤلاء هم الثروة الحقيقية للأردن؛ لأنهم يحملون القيم التي تجعل الإنجاز ممكنًا، وتجعل الوطن قادرًا على مواصلة الصعود.

إن قصة الأردن ليست قصة مواردٍ أو أرقام، بل قصة قيمٍ صنعت دولة، ورسخت استقرارًا، وفتحت طريقًا نحو المستقبل. فحيثما سادت القيم ارتفعت الثقة، وحيثما ارتفعت الثقة ازدهرت المؤسسات، وحيثما ازدهرت المؤسسات اقتربت القمم.

ولهذا لم يكن الأردن وطنًا عابرًا في الجغرافيا، بل فكرة راسخة في التاريخ؛ فكرة تقول إن الأوطان التي تحرس قيمها لا تخشى الطريق إلى القمم.

فما بين القيم والقمم إلا طريقٌ واحد؛ فإذا استقامت القيم ارتفعت القمم.

ولهذا سيبقى الأردن وطنًا لا يُقاس بما يملك من موارد، بل بما يملك من قيم.

وطنٌ بالقيمِ يسمو إلى القِمَم… ذلك هو الأردن.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/07 الساعة 15:58