القيسي يكتب: هلع الخليج ووهم الحرب الخاطفة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/07 الساعة 15:56
من يتابع اندلاع الحرب ضد إيران وتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والتفاصيل التي يخوضها في خطاباته، يدرك ابتداءً مقدار الانحدار الذي وصل إليه منصب رئيس الولايات المتحدة؛ فالرئيس الأمريكي يتعامل مع الحرب وكأنها مزحة عابرة، وبمزاجية تنذر بمزيد من الاستهتار، متجاوزا القانون الدولي علنًا حين يتحدث عن حقه في التدخل بتعيين المرشد الإيراني القادم، لأن مصير الدول يُدار في عقليته بمنطق الصفقات والدخول في المزادات العلنية، وواضح أن ترامب يقيس الأمور بمقاييس تجاربه في الضغط على دول أضعف، كما فعل مع فنزويلا، من دون أن يدرك الفارق الهائل بين البلدين، واختلاف طبيعة القيادات والبنية السياسية والرمزية لكل منهما.
وفي ذروة مرحلة المفاوضات بين واشنطن وطهران، جرى اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، فظنّ صانع القرار في واشنطن أن الأمر لن يتجاوز نزهة عسكرية على شواطئ الخليج؛ تبدأ باستعراض حاملات الطائرات وتنتهي خلال أيام بإسقاط النظام الإيراني وإعلان الاستسلام.
غير أن الواقع جاء مغايرا تماما؛ فقد جاء الرد الإيراني سريعا ومركزا، ولم يستثنِ أحدا، ومستهدفا القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، ولا سيما الأكثر أهمية منها والمتواجدة في البحرين والكويت والإمارات العربية المتحدة. ومع اتساع دائرة المواجهة، بدا واضحا أن واشنطن لم تكن تتوقع قدرة طهران على إدارة حرب متعددة الجبهات، تستخدم فيها مزيجا من القوة الصاروخية والضغط الاقتصادي وتهديد طرق التجارة الدولية.
ولم تتوقف المفارقة عند حدود التصريحات الساذجة أو المستهترة؛ فخلال أيام قليلة أعلن ترامب عدة مرات عن تدمير القوة الجوية والبحرية والصاروخية الإيرانية، وهو ما يكذبه الواقع الميداني والخسائر المادية والمعنوية الفادحة في صفوفه، وفي بنية المجتمعات الخليجية التي أصابها الهلع والذهول والخوف من المستقبل الغامض. وهكذا تحولت تصريحاته إلى كلام فاقد للمعنى، حتى إن القنوات الفضائية الخليجية نفسها لم تعد تتابع خطبه المباشرة إلا لدقائق معدودة، قبل أن تتركه يغرق في الترحيب بضيوفه والإشادة بنجاح رؤساء الشركات.
وفي المقابل، يتخذ المشهد منحى دراماتيكيا يكاد يلامس العبث؛ فالرئيس الذي يصف خصومه في اليسار بالراديكالية والتخلف، حظي بجلسة «رقية شرعية» علنية في البيت الأبض طلبا للحماية من الشرور، في مفارقة تكشف حجم الارتباك الذي يعيشه مركز القرار الأمريكي اليوم.
وقد بلغ التوتر حدّ التصريحات المتداولة عن إمكانية استدعاء قوات الاحتياط في الجيش الأمريكي، بعدما فوجئت واشنطن بقدرة إيران على فتح أكثر من عشر جبهات صاروخية في الإقليم، بالتوازي مع حرب اقتصادية تضرب شرايين التجارة العالمية، وتعيد تحديد من يستفيد من مضيق هرمز وتحريم ذلك على غير حلفائها الاستراتيجيين في بكين وموسكو.
وفي خضم هذا التصعيد والصدمة، بدأت بعض دول المنطقة تدرك حجم المخاطرة التي وجدت نفسها فيها، وتسعى إلى تقليل الأضرار ومحاولة احتواء تداعيات الحرب. وفي هذا السياق برزت مؤشرات على فتح الرياض قناة اتصال مع طهران، وهي خطوة بدأت نتائجها تظهر في تصريح الرئيس الإيراني الذي قدّم اعتذارا لدول الخليج عمّا أصابها من تداعيات الضربات الإيرانية.
غير أن هذا الاعتذار لم يكن تراجعا عن مبدأ الرد بقدر ما كان رسالة سياسية تهدف إلى تحييد دول الجوار عن ساحة المواجهة المباشرة. فقد ربط مسعود بزشكيان ما جرى بانطلاق أي نشاط عسكري ضد إيران من أراضي تلك الدول، في إشارة واضحة إلى أن طهران وضعت شروطها كي تميز بين الخصم المباشر والدول التي تتحول أراضيها إلى منصات عسكرية في الحرب.
وتكشف هذه الخطوة السعودية عن تحوّل مهم في المزاج السياسي الإقليمي؛ إذ تعكس قدرا متزايدا من الشك في قدرة الولايات المتحدة على الوفاء بتعهداتها الأمنية. فقد بدا واضحا أن واشنطن، التي أوهمت حلفاءها ونفسها ـ بأن الحرب ستكون خاطفة وسريعة، لم تكن مستعدة لسيناريو صراع طويل تتشابك فيه الجبهات العسكرية والاقتصادية على هذا النحو المعقّد.
وإذا ما قورنت طريقة إدارة الأزمة اليوم بما كان عليه الحال في لحظات تاريخية مفصلية، يظهر الفرق جليا بين نمطين من القيادة في الولايات المتحدة؛ ففي زمن الرئيس روزفلت حين واجهت واشنطن تحديات وجودية خلال الحرب العالمية الثانية، كان القرار العسكري والسياسي يُدار ضمن رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تجمع بين الصلابة والدبلوماسية وبناء التحالفات الدولية. لم يكن الخطاب آنذاك يقوم على الارتجال أو الاستعراض الإعلامي ثقيل الظل، بل على بناء إجماع سياسي داخلي وتشكيل نظام دولي جديد ليس لإسرائيل اليد الطولى فيه.
اليوم، وفي ظل إدارة ترامب، يبدو المشهد مختلفا إلى حد كبير؛ فبدل أن تُدار الأزمات العالمية بمنطق الدولة العظمى التي تدرك تعقيدات النظام الدولي، يجري التعامل معها بمنطق رجل الأعمال الذي يراهن على الصدمة والضغط العسكري، وعلى الاعتقاد بأن الخصوم سيتراجعون بمجرد رفع سقف التهديد.
اليوم تدرك دول الخليج أن فكرة «الحرب الخاطفة» التي يُراد لها أن تحسم الصراع مع إيران في أيام معدودة، أقرب إلى وهم سياسي وعسكري وتقني منها إلى استراتيجية مدروسة قابلة للتحقق، لذلك ستسعى هذه الدول إلى التخلص من أوهام خيار الثقة المفرطة إلى خلق بديل الاعتراف بالواقع الجيوسياسي في المنطقة، ولربما يكون في ذلك فرصة كبيرة لها لمراجعة الكثير من تنويعات السياسات الخارجية التي ستنضج وفق تسلسل الأحداث وهي أقرب إلى الصدمة والهلع منها إلى النتائج الطبيعية المتوقعة.
وفي ذروة مرحلة المفاوضات بين واشنطن وطهران، جرى اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، فظنّ صانع القرار في واشنطن أن الأمر لن يتجاوز نزهة عسكرية على شواطئ الخليج؛ تبدأ باستعراض حاملات الطائرات وتنتهي خلال أيام بإسقاط النظام الإيراني وإعلان الاستسلام.
غير أن الواقع جاء مغايرا تماما؛ فقد جاء الرد الإيراني سريعا ومركزا، ولم يستثنِ أحدا، ومستهدفا القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، ولا سيما الأكثر أهمية منها والمتواجدة في البحرين والكويت والإمارات العربية المتحدة. ومع اتساع دائرة المواجهة، بدا واضحا أن واشنطن لم تكن تتوقع قدرة طهران على إدارة حرب متعددة الجبهات، تستخدم فيها مزيجا من القوة الصاروخية والضغط الاقتصادي وتهديد طرق التجارة الدولية.
ولم تتوقف المفارقة عند حدود التصريحات الساذجة أو المستهترة؛ فخلال أيام قليلة أعلن ترامب عدة مرات عن تدمير القوة الجوية والبحرية والصاروخية الإيرانية، وهو ما يكذبه الواقع الميداني والخسائر المادية والمعنوية الفادحة في صفوفه، وفي بنية المجتمعات الخليجية التي أصابها الهلع والذهول والخوف من المستقبل الغامض. وهكذا تحولت تصريحاته إلى كلام فاقد للمعنى، حتى إن القنوات الفضائية الخليجية نفسها لم تعد تتابع خطبه المباشرة إلا لدقائق معدودة، قبل أن تتركه يغرق في الترحيب بضيوفه والإشادة بنجاح رؤساء الشركات.
وفي المقابل، يتخذ المشهد منحى دراماتيكيا يكاد يلامس العبث؛ فالرئيس الذي يصف خصومه في اليسار بالراديكالية والتخلف، حظي بجلسة «رقية شرعية» علنية في البيت الأبض طلبا للحماية من الشرور، في مفارقة تكشف حجم الارتباك الذي يعيشه مركز القرار الأمريكي اليوم.
وقد بلغ التوتر حدّ التصريحات المتداولة عن إمكانية استدعاء قوات الاحتياط في الجيش الأمريكي، بعدما فوجئت واشنطن بقدرة إيران على فتح أكثر من عشر جبهات صاروخية في الإقليم، بالتوازي مع حرب اقتصادية تضرب شرايين التجارة العالمية، وتعيد تحديد من يستفيد من مضيق هرمز وتحريم ذلك على غير حلفائها الاستراتيجيين في بكين وموسكو.
وفي خضم هذا التصعيد والصدمة، بدأت بعض دول المنطقة تدرك حجم المخاطرة التي وجدت نفسها فيها، وتسعى إلى تقليل الأضرار ومحاولة احتواء تداعيات الحرب. وفي هذا السياق برزت مؤشرات على فتح الرياض قناة اتصال مع طهران، وهي خطوة بدأت نتائجها تظهر في تصريح الرئيس الإيراني الذي قدّم اعتذارا لدول الخليج عمّا أصابها من تداعيات الضربات الإيرانية.
غير أن هذا الاعتذار لم يكن تراجعا عن مبدأ الرد بقدر ما كان رسالة سياسية تهدف إلى تحييد دول الجوار عن ساحة المواجهة المباشرة. فقد ربط مسعود بزشكيان ما جرى بانطلاق أي نشاط عسكري ضد إيران من أراضي تلك الدول، في إشارة واضحة إلى أن طهران وضعت شروطها كي تميز بين الخصم المباشر والدول التي تتحول أراضيها إلى منصات عسكرية في الحرب.
وتكشف هذه الخطوة السعودية عن تحوّل مهم في المزاج السياسي الإقليمي؛ إذ تعكس قدرا متزايدا من الشك في قدرة الولايات المتحدة على الوفاء بتعهداتها الأمنية. فقد بدا واضحا أن واشنطن، التي أوهمت حلفاءها ونفسها ـ بأن الحرب ستكون خاطفة وسريعة، لم تكن مستعدة لسيناريو صراع طويل تتشابك فيه الجبهات العسكرية والاقتصادية على هذا النحو المعقّد.
وإذا ما قورنت طريقة إدارة الأزمة اليوم بما كان عليه الحال في لحظات تاريخية مفصلية، يظهر الفرق جليا بين نمطين من القيادة في الولايات المتحدة؛ ففي زمن الرئيس روزفلت حين واجهت واشنطن تحديات وجودية خلال الحرب العالمية الثانية، كان القرار العسكري والسياسي يُدار ضمن رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تجمع بين الصلابة والدبلوماسية وبناء التحالفات الدولية. لم يكن الخطاب آنذاك يقوم على الارتجال أو الاستعراض الإعلامي ثقيل الظل، بل على بناء إجماع سياسي داخلي وتشكيل نظام دولي جديد ليس لإسرائيل اليد الطولى فيه.
اليوم، وفي ظل إدارة ترامب، يبدو المشهد مختلفا إلى حد كبير؛ فبدل أن تُدار الأزمات العالمية بمنطق الدولة العظمى التي تدرك تعقيدات النظام الدولي، يجري التعامل معها بمنطق رجل الأعمال الذي يراهن على الصدمة والضغط العسكري، وعلى الاعتقاد بأن الخصوم سيتراجعون بمجرد رفع سقف التهديد.
اليوم تدرك دول الخليج أن فكرة «الحرب الخاطفة» التي يُراد لها أن تحسم الصراع مع إيران في أيام معدودة، أقرب إلى وهم سياسي وعسكري وتقني منها إلى استراتيجية مدروسة قابلة للتحقق، لذلك ستسعى هذه الدول إلى التخلص من أوهام خيار الثقة المفرطة إلى خلق بديل الاعتراف بالواقع الجيوسياسي في المنطقة، ولربما يكون في ذلك فرصة كبيرة لها لمراجعة الكثير من تنويعات السياسات الخارجية التي ستنضج وفق تسلسل الأحداث وهي أقرب إلى الصدمة والهلع منها إلى النتائج الطبيعية المتوقعة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/07 الساعة 15:56